كويت ما بعد كورونا (2) العمالة ومستقبل الوافدين

كويت ما بعد كورونا (2) العمالة ومستقبل الوافدين
كويت ما بعد كورونا (2) العمالة ومستقبل الوافدين
حجم الخط شارك طباعة

فريق منظار | منذ 2021/10/01 11:10:53

جاء وباء كورونا كأزمة عالمية صادمة أثّرت على قطاع العمل في كل دول العالم، لكن آثار الجائحة كانت أشد قسوة على الفئات المجتمعية الأكثر ضعفاً مثل قطاعات عديدة من العمال الوافدين بالكويت.

يعتبر القطاع الخاص من أكبر قطاعات العمل في الدولة من حيث عدد العاملين فيه، الذين بلغ وفقاً لآخر احصائية في ديسمبر عام 2020؛ مليوناً ونصف المليون من مختلف الجنسيات، أما القطاع العائلي والمتمثل في عمال المنازل فبلغ 700 ألف عامل منزلي، من إجمالي عدد سكان الكويت الذين يقدرون بنحو أربعة ملايين نسمة، 70% منهم من الأجانب.

أدت عمليات الإغلاق الاقتصادية المتكررة بالكويت في محاولة لتقليل انتشار الوباء، إلى تأثير هائل على شركات القطاع الخاص، والتي بدورها حاولت تعويض خسائرها بتخفيض دخول العاملين وإلغاء تصاريح إقامة البعض، فيما بدا الأمر كأنه فرصة مواتية لتقليل عدد العمالة بالبلاد وتعديل خلل التركيبة السكانية. وكان وزير البلدية الكويتي "وليد الجاسم" قد أصدر قراراً العام الماضي بإنهاء خدمات حوالي 50% من موظفي البلدية الوافدين، وأشارت مصادر صحفية محلية إلى أن الوزير أكد على أن إنهاء خدمات نصف أعداد الموظفين يعتبر مرحلة أولى إلى حين الوصول إلى الصفر. وفي أبريل عام 2020، أطلقت الكويت، حملة باسم "غادر بأمان" استمرت شهرًا لترحيل الوافدين المخالفين لقانون الإقامة، ضمن إجراءاتها لمواجهة انتشار كورونا، وتعديل التركيبة السكانية. ووفق إحصاءات لوزارة الداخلية، فإن نحو 11 ألف عامل مخالف استفادوا من المبادرة في أول أسبوع فقط، وحدد قرار الداخلية مواعيد لخمس جنسيات، هي: الفلبينية، المصرية، الهندية، البنغالية، والسريلانكية، لمعالجة طلبات الرحيل الخاصة بهم، فيما قالت تسريبات صحفية، أنّ الحملة تستهدف بالأساس ترحيل ما بين 150 ألف مقيم مخالف لقانون العمل. وأشارت تقارير في يوليو المنصرم، أن نحو 15٪ من عدد الوافدين في الكويت قد رحلوا عنها نهائياً.

ارتفاع صوت الأزمة

في أبريل من العام الماضي، نشر ائتلاف من 16 منظمة غير حكومية، ضمّت منظمة هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية، ومنظمة حقوق المهاجرين؛ رسالة موجهة إلى وزير الشؤون الاجتماعية والعمل الكويتي، تحث الحكومة الكويتية على ضمان حصول العمال الوافدين على الحماية الكافية من  جائحة كورونا من خلال اتخاذ إجراءات لحماية صحة العمال الوافدين والصحة العامة بشكل عام، وقالت الرسالة أنه يجب أن تشمل هذه الإجراءات توفير إمكانية الوصول على قدم المساواة إلى مرافق سكنية مناسبة، بما في ذلك مرافق لعزل أنفسهم إذا لزم الأمر، بالإضافة إلى ما يكفي من الماء والغذاء والصرف الصحي لجميع العمال، وتوزيع معدات الحماية مع متطلبات الصحة والسلامة الكافية والمعتمدة من منظمة الصحة العالمية، كما طالب البيان بمراقبة أرباب العمل حتى لا يستخدموا الوضع كغطاء لإدخال ممارسات مسيئة مثل الخصومات غير العادلة أو عدم دفع الأجور أو الفصل التعسفي، حسب تعبير البيان.

لم تشهد الكويت هذا الجدل المتعلق بالعمالة الوافدة في وقت من الأوقات أكثر من فترة الجائحة، وانتشرت أخبار عن تسريح الآلاف من العمال المصريين في البلاد، وظهرت عدة أصوات كويتية عبر وسائل التواصل الاجتماعي تطالب بالتخلص من العمالة المصرية نهائيا. وساهم في تأجيج هذه الحالة الجدل انتشار مقطع فيديو في يوليو 2020 لاعتداء مواطن كويتي على وافد مصري يعمل في مول للتسوق، ثم تبعه في سبتمبر من العام نفسه انتشر خبر اعتداء شابين كويتيين على مصري بأحد الأسواق. وهو ما أدى إلى شحن حالة غضب عامة عبر مواقع التواصل الاجتماعي وصلت للدعوة إلى لحرق علم الكويت بالقاهرة في أغسطس 2020، وهو ما استنكرته السفارة الكويتية، والخارجية المصرية التي اتهمت جهات مغرضة باستهداف علاقات البلدين. وأعربت سفارة دولة الكويت في القاهرة عن استهجانها بشأن دعوات في مصر تطالب بحرق العلم الكويتي، داعية الحكومة المصرية إلى ردع المسيئين.

وفي ديسمبر الماضي، قالت القاهرة في بيان للمتحدث الرسمي باسم وزارة القوى العاملة المصرية، أنها قامت بتسوية عدد من شكاوى المواطنين المصريين مع أرباب العمل الكويتيين، وأوضح البيان أن تقرير الملحق العمالي المصري في الكويت يشير الى أنه تم خلال أكتوبر 2020 تلقي 18 شكوى، سُويت منها 12 شكوى ودياً، فيما أُحيلت 3 شكاوى للقضاء، وهناك 3 شكاوى قيد البحث والدراسة".، وأضاف أنه تم تنظيم 78 زيارة ولقاء واستشارة؛ حيث تم عمل 3 زيارات للجهات الحكومية، و18 زيارة لمنشآت أصحاب الأعمال، وعقد 6 لقاءات واجتماعات مع التجمعات العمالية، والرد على 51 استفسارا للعمالة المصرية بالكويت من خلال مكتب التمثيل العمالي في السفارة، وأشار إلى أن قيمة التعويضات والمستحقات التي حصل عليها العمال المصريين، وصلت إلى 23.480 دينارا كويتيا.

آثار نقص العمالة

قالت تقارير كويتية عديدة أن العديد من القطاعات الإنتاجية في الكويت تعاني من نقص شديد في أعداد العمالة اللازمة مما انعكس على ارتفاع تكاليف الإنتاج وزيادة أسعار السلع، ويتصدر القطاع الزراعي والإنتاج الحيواني ونشاط الصيد، وقطاع التصنيع؛ القطاعات الأكثر معاناة من نقص العمالة نتيجة صعوبة عودة آلاف العمال العالقين في بلدانهم منذ توقف رحلات الطيران في مارس 2020، وهو ما تسبب في زيادة أجور بعض فئات تلك العمالة بنحو 50% عن المعتاد. ومع عودة حركة الطيران إلى عدة دول، ظلت المشكلة قائمة بعد أن قررت السلطات حظر دخول القائمين من أكثر من 30 دولة ما لم يقض القادمون 14 يوما في دولة ثالثة مما رفع تكاليف عودة العمالة من أصحاب الرواتب المحدودة. فيما أصدرت السلطات الأمنية حينها قرارا بمنع دخول غير الكويتيين إلى البلاد ضمن سلسلة من الإجراءات الجديدة لمواجهة تزايد أعداد الإصابات بفيروس كورونا.

وفي تصريح صحفي لرئيس اتحاد المزارعين قال أن النقص في أعداد العمالة اللازمة للقطاع الزراعي بما يقارب 50%، مطالبا الجهات المعنية بضرورة إيجاد حل سريع للأزمة، مضيفاً أن إجمالي العمالة بالقطاع الزراعي الذي يضم نحو 7 آلاف مزرعة في منطقتي الوفرة والعبدلي يقارب 500 ألف عامل، وإن جزءا من هذه العمالة لا يستطيع العودة في ظل إغلاق المطار، ومنهم من انتهت إقامته وهو خارج البلاد.

جدير بالذكر، أنه منذ بداية الجائحة، منحت الحكومة الكويتية مخالفي الإقامة فرصة لمغادرة البلاد من دون دفع أي تكاليف عن فترة المخالفة، في محاولة لتصفية ملف العمالة السائبة. ووفقا لتقارير صحفية، فإن هيئة المعلومات المدنية كشفت عن تراجع أعداد الوافدين في البلاد خلال العام 2020 بنحو 4% جراء مغادرة نحو 134 ألفا خلال الفترة من يناير وحتى نهاية ديسمبر 2020 ليصبح إجمالي الوافدين 3 ملايين و210 ألف نسمة.

فيما أشارت وثيقة حكومية نشرتها جريدة العربي الجديد، أن الانخفاض في أعداد العاملين استمر حتى وصل إلى 2.8 مليون نسمة، من بينهم نحو 600 ألف وافد خارج الكويت لأسباب مختلفة، حيث تنتظر غالبيتهم إعادة فتح المطار للعودة مرة أخرى. كما يوجد يقرب من 220 ألف مخالف للإقامة تحاول السلطات ملاحقتهم من أجل ترحيلهم خلال الفترة المقبلة، وحسب الاحصائيات فإن هناك 500 ألف وافد رحل طواعية عن الكويت، بالإضافة إلى ما يقرب من 600 ألف وافد انتهت إقامتهم وهم بالخارج.

في السياق نفسه، أعلنت الهيئة العام للقوى العاملة أنها ألغت عدد 38873 إذن عمل لعمال انتهت إقاماتهم وهم خارج البلاد، بالإضافة إلى 20011 إذن عمل لعمال آخرون أبدوْا رغبتهم في المغادرة طوعياً، في النصف الأول من عام 2021 فقط.

لكن مراقبين في السوق الكويتي قالوا أن الطلب على الأيدي العاملة زاد بشدة عقب مغادرة أعداد كبيرة في ضوء الإجراءات الحكومية الأخيرة مما انعكس على ارتفاع الأجور، إذ زادت رواتب العمالة من نحو 180 دينارا شهريا إلى 290 دينارا في ظل وجود عجز يقدر بنحو 25%، وهو ما تسبب في زيادة أسعار المنتجات، وفقا لبعض التقديرات.

وفي قطاع المزارع والألبان، قال رئيس اتحاد منتجي الألبان في تصريحات محلية، أن أسعار الأعلاف ارتفعت بنحو 20% على خلفية إجراءات الشحن الجديدة وزيادة رسوم التخليص الجمركي، وشملت الأزمة انخفاض أعداد العمالة في المزارع بنحو 30%، حيث تعتمد المزارع بشكل رئيسي على العمالة الوافدة سواء الحلابين أو العلافين أو الأطباء البيطريين والمهندسين الزراعيين، وهي عمالة نوعية للقطاع الذي ينتج بين 170 ومئتي طن يوميا عبر 30 مزرعة يوجد بها نحو 30 ألف رأس من الأبقار، ويقدر استهلاك البلاد من الألبان ومشتقاتها بنحو 1400 طن يوميا.

فيما أشارت تقارير إعلامية أن نسبة الصيادين الموجودين خارج البلاد تقدر بنحو 75%، وهو ما أدى لتوقف جزء كبير من أنشطة الصيد، ما أدّى إلى نقص الكميات التي يتم صيدها يومياً مما تسبب في ارتفاع أسعار بعض الأنواع فضلا عن الخسائر الكبيرة للعاملين في نشاط الصيد.

وفي قطاع الصناعة أشار تقرير لصحيفة الأنباء المحلية في مارس الماضي، أن القطاع يعاني من مغادرة أعداد كبيرة من العمالة خلال العام الماضي، ما تسبب في نقص كبير بالأيدي العاملة الفنية والمؤهلة، مع صعوبة إصدار تأشيرات وأذونات عمل جديدة لتعويض هذا النقص، كما أن بعض المصانع اشتكت من عدم قدرتها على استقدام خبراء وفنيين كانوا قد حصلوا فعلا على تأشيرات دخول، لكن منع دخول الوافدين حال دون قدومهم إلى الكويت.

مستقبل ضبابي للتركيبة السكانية

من غير المستبعد أن تضطر الحكومة للاستغناء عن أكثر من نصف حجم الوافدين العاملين في المؤسسات الحكومية من أجل استيعاب طلب التوظيف المتنامي، إذ يبلغ عدد العاملين في هذا القطاع ما يزيد عن 100 ألف وافد أجنبي.

وتعمل الحكومة على حل مشكلة المواطنين الكويتيين في ظل توقعات الزيادة السكانية المضطردة، حيث ســيرتفع عــدد الشــباب والشــابات فــي الكويــت بنســبة 50% خــلال 10 سنوات المقبلة، مع توقع زيادة نحو 200 ألف من الشباب من الجنسين لعـدد سـكان البلاد بحلول 2030.

فيما أشارت بعض الدراسات المتخصصة أن العمالة الوافدة في القطاع الخاص، باتوا مكوناً أساسياً في سوق العمل والحياة التجارية، وجزءاً من مسيرة الكويت الإنمائية في ظل توجهات الحكومة للتنويع الاقتصادي وتخطيط مرحلة ما بعد النفط، وتشارك هذه العمالة في المساهمة في ديمومة العديد من القطاعات الاقتصادية بالبلا،. محذرة من ضرورة ضبط عملية مغادرة الوافدين، حتى لا تواجه الكويت أزمة في بعض التخصصات المهمة على رأسها العمالة الحرفية، التي لا يمارسها المواطنون الكويتيون.

على جانب آخر، يشكك بعض خبراء الاقتصاد في إمكانية أن تستغني الكويت بشكل كامل عن العمالة الأجنبية لديها، لأنه سيؤثر على ميزان الإيرادات العامة، من الرسوم وضرائب القيمة المضافة، كما أنه قد يبطئ من جهود الإصلاح، بما في ذلك خفض الانفاق العام على الرواتب والدعم. وفي وقت سابق، نقلت وكالة رويترز عن "طارق فضل الله" من مؤسسة إدارة الأصول بالشرق الأوسط، قوله بأن "تراجع عدد الوافدين سيقلص الطلب على كل شيء من البيتزا إلى الفيلات، والخطر هو أن يؤدي هذا إلى تأثير انكماشي متتال وفقدان للوظائف الثانوية".