كويت ما بعد كورونا (3) آثار اجتماعية ونفسية ممتدة للجائحة

كورونا ٣
كورونا ٣
حجم الخط شارك طباعة

فريق منظار | منذ 2021/10/08 18:10:18

كشفت دراسة أجراها أساتذة في قسم علم النفس بجامعة الكويت، العام الماضي، عن وجود ظواهر سلبية طارئة لدى المجتمع الكويتي ناجمة عن المخاطر النفسية والاجتماعية والاقتصادية التي سببها جائحة كورونا المستجد بنسبة 63%، وشملت الدراسة مسحاً لأكثر من ألف مواطن، من مختلف فئات المجتمع الكويتي، ونشرت الدراسة تحت عنوان "أثر اتجاهات المجتمع الكويتي نحو مخاطر فيروس كورونا في متلازمة التعب المزمن والتوهم المرضي في ضوء بعض المتغيرات الديمغرافية". وقالت أن المخاطر الاجتماعية الناجمة عن فيروس كورونا جاءت في المرتبة الأولى من حيث تأثر المجتمع الكويتي بها بنسبة 75%، وأضافت أن هناك أربعة عوامل تؤدي إلى حدوث الاتجاهات السلبية في المجتمع الكويتي نحو مخاطر فيروس كورونا هي الجنسية والجغرافيا والمهنة والتعليم.

وكانت تقارير محلية قد أشارت إلى أن تأثير الجائحة على العلاقات الاجتماعية بالكويت قد ظهر في معدلات الزواج والطلاق، حيث قلّت قليلاً نسبة الأخيرة. فيما بلغ معدل الزواج العام في عام 2020 نحو %5.8 بين الكويتيين وغير الكويتيين بإجمالي عقود زواج تقدر بـ 13071 عقدا، منها 10774 لزوج كويتي، و2297 لزوج غير كويتي، في حين أن الجائحة لم تؤثر كثيرا على معدل الزواج المتعدد، حيث كشفت الإحصائية عن عدد 584 كويتيا تزوج بزوجة ثانية، و61 بثالثة، و5 كويتيين تزوجوا بالزوجة الرابعة خلال عام 2020، بمجموع 650 كويتياً.

وأضافت أرقام هيئة الإحصاء الكويتية في تقريرها أن الفئة العمرية الأعلى في عدد حالات الزواج على مستوى الفتيات، كانت لمن تتراوح أعمارهن بين 20 و 24 عاما، والأدنى للفئة العمرية بين 40 و 44 عاما، بينما كان الجامعيون سواء من الشباب أو الفتيات، الأعلى في عدد حالات زواج الكويتيين، وهم أيضا الأعلى في نسب الطلاق. وكانت الكويت قد سجلت خلال عام 2020 عدد 5932 حالة طلاق، بمعدل عام %2.6، منها 3953 لزوج وزوجة كويتيين، و708 لزوج كويتي وزوجة غير كويتية، بينما 341 حالة كانت لزوج غير كويتي وزوجة كويتية، وجاء معدل الطلاق في أول شهور الجائحة أقل قليلا من العام السابق بنسبة 3.6% تقريباً، لكنها تضاعفت 7 مرات في الاشهر التالية لتصل إلى ذروتها في يوليو بمعدل 678 حالة. فيما جاءت أعلى حالات طلاق للزوجة الكويتية في الفئة العمرية من 25 إلى 29 عاما، فبلغت 1048 حالة بينما أدناها كانت للفئة العمرية 15 إلى 19 عاما بتسجيل 52 حالة خلال عام 2020.

واقع نفسي جديد للمجتمع

في يوليو 2020، قررت وزارة الصحة الكويتية في بداية الجائحة افتتاح 13 عيادة ميدانية للطب النفسي في بعض المحافظات، لاستقبال المضارين من كوورونا واجراءات الحظر والحجر، خاصة من العمال والوافدين، لمساعدتهم نفسياً على تجاوز التحديات التي تواجههم. واشارت إحصاءات وزارة الصحة إلى ارتفاع عدد المراجعين الذين يشكون من الاكتئاب والخوف، بالإضافة إلى آخرين تراودهم أفكار انتحارية نتيجة طردهم من وظائفهم وعدم توفّر المال الذي يرسلونه لعائلاتهم، فضلاً عن مطالبة بعض ملاك العقارات ببدلات الإيجار المستحقة عليهم منذ شهور دون القدرة على سدادها. فيما أشار أطباء ميدانيون أن العنف الأسري والمنزلي زاد العام الماضي بنسبة 40% عن الواقع المعتاد، وأرجعوا الأمر إلى التداعيات النفسية التي سببها الحظر الكلي وإصابة الأقارب ووفاتهم بالفيروس وفقدان الوظائف وتراكم الديون.

وقال تقرير صحفي لجريدة القبس المحلية في يناير الماضي، أن إغلاق العيادات النفسية المتخصصة أثناء الحظر الكلي، أثّر سلباً في خطط العلاج، حيث يوجد %20 من مرضى كورونا أصيبوا باضطرابات نفسية، وتزايدت لديهم أعراض القلق والاكتئاب والأرق جراء إغلاق كثير من مناشط الحياة المعتادة. في الوقت نفسه أطلق عدد من الأطباء النفسيين منصة "كورونا كير" الإلكترونية، لتوفير الرعاية الصحية النفسية للمواطنين والمقيمين خلال الأزمة، والذي زاره عشرات الآلاف أثناء موجات الجائحة الأولى.

ووفقا للدراسات العالمية، فإن الآثار النفسية الأشهر المصاحبة لجائحة كورونا خلال الشهور الماضية هي القلق والاكتئاب والأرق، واحتمالية الإصابة بالخرف لدى كبار السن. وحذرت منظمة الصحة العالمية من وقف خدمات الصحة النفسية الأساسية بعض الدول في اللحظة التي تشتد فيها الحاجة إلى هذه الخدمات.

في السياق نفسه، أظهر استطلاع رأي نشره معهد دول الخليج في واشنطن العام الماضي، أن شباب الخليج أكثر قبولاً وإدراكاً لتحديات الصحة النفسية، حيث قال 62٪ منهم أن الأمراض النفسية "أمر طبيعي". وقال المعهد أن بعض الحملات التوعوية التي يقودها الشباب والتثقيف النفسي من قِبل مختصين الصحة النفسية،  عملت على إحداث تغيرات إيجابية على الساحة الخليجية في مجال الصحة النفسية. جدير بالذكر أن مجلس الأمة قد وافق بالإجماع على قانون الصحة النفسية قبل عامين، والذي يُعد الأول من نوعه، ويضمن حماية حقوق المحتاجين للرعاية الصحية النفسية.

لكن دراسة ميدانية أخرى لمركز "العون للاستشارات النفسية"، حول تأثير الجائحة على الصحة النفسية للمجتمع الكويتي؛ ذكرت أن النساء هن الأكثر عرضة لأعراض الاكتئاب بنسبة 65% مقابل الرجال بنسبة 35%، وزيادة أعراض القلق لدى النساء بنسبة 60%. وأضافت الدراسة التي نشرتها مجلة "صناع المستقبل" الكويتية في نوفمبر الماضي، أن المستجيبين في الدراسة الميدانية قالوا إن لديهم أعراض أخرى مصاحبة مثل الصداع والأرق وفقدان التوازن بنسبة 55% لدى النساء و 45% لدى الرجال، مضيفة أن الشباب في المرحلة الثانوية كانوا الفئة الأكثر تأثرا نفسياً بالجائحة بسبب خوفهم من المستقبل.

وفي مارس الماضي، كشفت مصادر أمنية عن أن معدلات الانتحار في البلاد، خلال الأشهر الخمسة الأولى من 2021، ارتفعت بنسبة 50٪ مقارنة بالفترة نفسها من 2020، مسجلة 75 حالة انتحار، مقارنة بنحو 90 حالة في عام 2020 كله. وجاءت غالبية حالات الانتحار لأبناء الجاليات الآسيوية، منهم 9 محاولات فشل أصحابها في إنهاء حياتهم، وسجلت بحقهم قضايا "شروع في الانتحار".

على الصعيد العالمي، ووفقا لعدد السكان فإن الكويت تقع في مرتبة متأخرة من حيث عدد حالات الانتحار السنوية، حيث جاءت في المرتبة 89 من 104 دولة في معدل الانتحار العالمي. وقالت منظمة الصحة العالمية، إن معدلات الانتحار على المستوى العالمي تراجعت بنسبة 36% خلال الفترة بين عامى 2000 و2019، وأشارت إلى أنه رغم ذلك، فإن جائحة كورونا زادت الكثير من عوامل خطر الإقدام على الانتحار، مثل فقدان الوظائف والأزمات المالية والعزلة. وأضافت المنظمة أنه بوسع الدول المساعدة فى خفض عدد حالات الانتحار من خلال تدريب الشباب بما يمكنهم من مواجهة الأزمات الاجتماعية والنفسية والروحية. وتشير الأرقام إلى أن معظم ضحايا الانتحار من الذكور بمعدل 12.6 حالة لكل مئة ألف رجل، مقابل 5.4 حالات من النساء لكل مئة ألف إمرأة.

الأطفال في مرمى التأثيرات

في دراستها بعنوان: "الآثار الاجتماعية والاقتصادية لجائحة كورونا"، قالت منظمة منظمة التعاون الإسلامي أن حالات الطوارئ الصحية بالدول العربية كشفت أن الأطفال معرضون بشكل كبير لخطر الاستغلال والعنف وسوء المعاملة عندما يتم إغلاق المدارس، وإيقاف الخدمات الاجتماعية، وتقييد الحركة. فعندما يفصل الأطفال عن شبكاتهم الاجتماعية الروتينية مثل المدارس وأنشطة اللعب مع أصدقائهم وخدمات الحماية، يلجأون بشكل طبيعي إلى التكنولوجيا الرقمية كسبيل للوصول إلى العالم الخارجي. وأضافت أن توسع نشاط الأطفال والشباب على الإنترنت إلى زيادة المخاطر والأضرار.

وحذّر التقرير من استمرار المخاوف الاقتصادية المتزايدة إلى جانب التدابير الاجتماعية للسيطرة على تفشي المرض ومعدلات الإصابة به من جديد بشكل سلبي على الأطفال والشباب. ويخشى أن يظهر القلق والاكتئاب وأعراض نفسية واجتماعية أخرى في صفوف الأطفال بسبب فقدان "الوضع الطبيعي"، وتزايد الفقر بشكل سريع، ونقاط الضعف القائمة مسبقا وخدمات الحماية الاجتماعية المحدودة، على حد تعبيره.