أحمد الخطيب: رحيل ذاكرة الكويت

Ahmad AL khateeb
Ahmad AL khateeb
حجم الخط شارك طباعة

فريق منظار | منذ 2022/03/09 21:03:00

 

رحل قبل أيام عن عالمنا؛ القيادي البارز الدكتور أحمد الخطيب، أحد أبرز السياسيين في الكويت الذين شاركوا في محطاتها التاريخية لأكثر من 70 عاماً مضت، والذي يعتبر شاهداً معاصرا على القرن الماضي ومشارك في صناعة أهم مراحل السياسة الكويتية، ونائباً سابقاً بمجلس الأمة وأحد المشاركين في صياغة دستور الكويت.

السيرة والمسيرة

الدكتور أحمد محمد الخطيب، ولد عام 1926 في مدينة الكويت بمنطقة الدهلة، وهو شقيق أحد رواد الحركة المسرحية في الكويت "عقاب الخطيب". سافر إلى لبنان عام 1945 لدراسة الطب في الجامعة الأمريكية في بيروت وشكّل مع كل من "وديع حداد"و "جورج حبش" و"هاني الهندي" حركة القوميين العرب. وبدأ نشاطه النضالي مبكراً في بيروت، والتي لم تخلو من المضايقات الرسمية، ففي آخر سنة دراسية له في الجامعة، حدثت مظاهرات طلابية كبيرة احتجاجاً على تدخل الولايات المتحدة في الشرق الأوسط عام 1952، وشهدت مصادمات مع رجال الشرطة ليتم فصل الخطيب مع زميل فلسطيني له من الجامعة، وبسبب الانتشار الواسع للقوميين العرب في لبنان، فقد بدأ إضراب طلابي شمل معظم المدارس احتجاجًا على قرار الفصل، وسار الطلاب في مظاهرة كبيرة نحو الجامعة تهتف بسقوط مديرها، وهدد بعضهم مدير الجامعة في بيته، وأمام هذا التيار الجارف تدخلت الحكومة اللبنانية وأعادت الخطيب وزميله إلى الجامعة وسحب قرار الفصل.

توطدت علاقته بالرئيس المصري الراحل "جمال عبدالناصر" حتى أنه توسّط عنده لحماية الكويت عام 1961 عندما طالب الرئيس العراقي الراحل "عبد الكريم قاسم" بضم الكويت إلى العراق. وخاض الخطيب انتخابات مجلس الأمة الكويتي عام 1963 وحصل على المركز الأول في الأصوات وفاز بالانتخابات، ثم شارك في انتخابات مجلس الأمة الكويتي لعام 1967 لكنه حلّ في المركز السادس وخسر مقعده النيابي، ليعود عضوا بمجلس الأمة في انتخابات عام 1971، واستمر عضوا في مجلس 1975، ثم خسر في انتخابات عام 1981، ثم عاد ليفوز مرة أخرى في انتخابات عام 1985، ثم فاز مرة أخرى في انتخابات 1992، ليكون من النواب المخضرمين بمجلس الأمة وشارك في أهم أحداث الكويت في هذه الحقبة الزمنية، إلى أن اعتزل العمل البرلماني عام 1996•.

 كان الخطيب قد نجح عام 1952 في تشكيل أول خلايا الحركة القومية مستثمرا الانفراج الديمقراطي الذي ساد الكويت عندما أصبح الشيخ "عبد الله السالم" أميراً على الكويت عام 1950 والذي اتبع سياسة ليبرالية إلى حد ما، فقد تهيأت الظروف لانتشار الحركة مع ظهور النخبة التجارية وعودة الطلاب الكويتيين الدارسين في الجامعات العربية،  كما ساهم في تأسيس عدد من الأندية من مثل النادي الأهلي، والنادي الثقافي القومي الذي أصبح مركزا لتجمع حركة القوميين العرب التي تركزت استراتيجيتها في الكويت في تلك الفترة على الإصلاح السياسي والمشاركة الشعبية في اتخاذ القرار السياسي ومحاربة الاستعمار الغربي وإنهاء معاهدة الحماية مع بريطانيا وتوحيد الكويت مع الوطن العرب. وشارك الخطيب أيضا في تأسيس لجنة الأندية الكويتية والتي كان الهدف من تأسيسها العمل على دعم كل ما يتعلق بشؤون الأمة العربية.

ظهر دور الخطيب السياسي الحقيقي عندما قابل لأول مرة الأمير الشيخ عبد الله السالم عام 1955 على رأس وفد شعبي يحمل مذكرة على شكل مبادرة والتماس للمطالبة بالإصلاح السياسي الشامل، واعتبر الباحثون السياسيون أن تلك المبادرة كانت اللبنة الأولى التي ساعدت على تشكيل إطار الدولة الحديثة في الكويت، وهي الدولة التي أخذت دورها الفعلي بعد الاستقلال عام 1961 وقامت أسسها على قاعدة إنشاء دولة حديثة بمؤسسات ديمقراطية ودستور شامل يفسح المجال لقيام حياة برلمانية وأعضاء منتخبين انتخابا حرًا وديمقراطيًا.

 شارك الدكتور أحمد الخطيب في عضوية المجلس التأسيسي للدستور عام 1962 وانتخب نائبا للرئيس، وقد أصدر هذا المجلس دستور الكويت، والذي اعتبره الخطيب نتاج جهد مضني سابق ساعد فيه النضال الشعبي والقومي الذي حدث في الكويت على مدار أربعين عاماً، وساهم فيه بشكل غير مباشر؛ وجود المد القومي في كل المنطقة وبروز حركات التحرر في العالم.

وفي عام 1991، شارك الراحل في تأسيس المنبر الديمقراطي الكويتي، وهو تجمع قومي من اليسار بواسطة بعض الرموز مثل "عبد الله النيباري" و"صالح الملا" و"سامي المنيس"، ووفقا لموقع الإلكتروني فإن أهم مبادئ الحزب: إصلاح قانون تقسيم الدوائر الانتخابية، وإلغاء جميع القوانين المقيدة للحرية، وإصدار قانون عفو عن جميع المعتقلين السياسيين في الكويت، وتعديل قانون الجنسية لتمكين المراجعة القضائية لقرارات التجريد من الجنسية التنفيذية، والدعوة لعقد اتفاقية وطنية تتناول الموضوعات ذات الصلة في الكويت بما في ذلك القضايا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وتكوين حكومة منتخبة.

شاهد على العصر

 

 

يعدّ كتاب الدكتور أحمد الخطيب "الكويت من الدولة إلى الإمارة: ذكريات العمل الوطني والقومي" أهم مؤلفاته وأهم مذكرات تأريخ حقبة حرجة من عمر الكويت، حيث سرد الخطيب فيه مسيرته مدوناً أحداث الكويت الهامة في الفترة من 1983 إلى 1992، مستحضراً تأثير التحولات الكبرى في المنطقة على الكويت مثل نكبة فلسطين عام 1948 وما تلاها من أحداث كالثورة المصرية عام 1952، وتأميم قناة السويس والعدوان الثلاثي على مصر 1956، والوحدة المصرية السورية، كما يتناول الكتاب مراحل فاصلة في التطور السياسي للكويت وآلية الانتقال من الإمارة المطلقة إلى الدولة الدستورية والتي مثّلت مرحلة الصعود والنهوض بمشروع الدولة حتى الاستقلال عام 1961 وصدور الدستور عام 1962.

يحكي الخطيب في الكتاب ذكرياته المبكرة أثناء دراسته فيقول "في لبنان كانت أولى المواجهات التي كادت تتسبب في قطعي لدراستي في هذه المرحلة المبكرة فقد كانت بسبب التزامي الصلاة. فقد قررت فعلاً أن أقطع دراستي نهائياً وأعود إلى الكويت، والسبب يعود إلى ما شعرتُ به من مضايقة بعض الطلاب اليهود القادمين من فلسطين أثناء وضوئي وصلاتي، إذ قدّموا شكوى ضدي لدى أحد الأساتذة، مدعين أنني أسيء استعمال الحمامات أثناء الوضوء، فما كان من ذلك الأستاذ إلا أن استدعاني ووبخني بشدة على ذلك. فوقفت مشدوهاً ولم أستطع الدفاع عن نفسي، وخشيت أن أخسر ديني؛ فأرسلت رسالة إلى أخي عقاب أطلب منه أن يرفع شكواي إلى المسؤولين في الكويت طالباً العودة إلى الكويت، ولكنه لم يفعل".
وحول أثر الجامعة الأمريكية على الطلاب قال "كان للجامعة الأمريكية تأثير كبير في حياتي ومنهجية تفكيري، ولعل أبرز ما يميز الجامعة الأمريكية ببيروت كون جسمها الطلابي حاضناً لخليط لا ينتهي، وتنوع لا حد له من الطلبة العرب وغيرهم من الأجانب، مسلمين ومسيحيين ويهوداً وربما ديانات أخرى

وعن طريقة انضمامه للقوميين، يحكي الخطيب: "في هذه الفترة تم الاتصال بي من قبل أحد الأساتذة بالجامعة لحضور حلقات ثقافية يديرها الدكتور "قسطنطين زريق" عن القومية. وقد علمت أن خليفة الغنيم، وكان قد تخرّج لتوه من الجامعة وكان يشارك في هذه الحلقات، ربما هو الذي رشحني للحضور، فاستهوتني الفكرة وكذلك "وديع حداد"، أما "آمال قريان" فلم تكن له اهتمامات سياسية ولذا لم يشارك في هذه الحلقات. وقد اتضح لنا فيما بعد أن هاجس "زريق" كان نشر الوعي القومي والتبشير به، وتشكلت مجموعتنا الأولى من تلاميذ حلقات زريق وبعض أنصار العروة. بدأنا ننظم عملنا ونتوسع باسم "الشباب القومي"، واتخذنا من بيت أسماء الموقع السورية في رأس بيروت ملتقى لنا للنقاش والحوار والعمل، ومن ثم أصبحت جمعية "العروة الوثقى" واجهة لنشاطنا، وتحوّل نشاط "العروة الوثقى" من نشاطات ثقافية إلى نشاطات سياسية".

ويسرد الخطيب أحد رسائله للرئيس المصري جمال عبدالناصر أثناء العدوان الاسرائيلي عام 1956، قائلاً:" سيادة الرئيس جمال عبدالناصر المحترم، تحية العروبة وبعد، إيماناً منا بأن قضية العرب هي قضية واحدة لأنها قضية شعب واحد بالرغم من الحدود المصطنعة التي تفصل بين أجزاء وطنه، هذا الشعب الذي يسعى لتحقيق حريته وتوحيد أجزاء وطنه واسترداد أراضيه المغتصبة. وإيماناً منا بوحدة نضال الشعب العربي وبأن ما يصيب أي جزء إنما يعود أثره على الأمة العربية كلها؛ رأينا أن من واجبنا المشاركة بنصيبنا في كفاح العرب بما نستطيع من مال عندما يتعذر علينا الجهاد. فقد جمع شعب الكويت هذا المبلغ المتواضع وقدره (27370) سبعة وعشرون ألفاً وثلاثمئة وسبعون دولاراً لا غير، ليصرف بمعرفة سيادتكم على ضحايا العدوان اليهودي من عرب قطاع غزة. وإننا ننتهز هذه الفرصة لنعرب لكم عن عميق شعورنا بالتقدير والإجلال للخطوات الكبيرة التي حققتموها لصالح القضية العربية، منتظرين بفارع الصبر تتويج هذه الخطوات بتحقيق اتحاد مصر وسورية كدعامة كبرى لتوحيد سائر أجزاء الوطن والتحرر الشامل من الاستعمار والثأر من الصهاينة. وتفضلوا بقبول فائق الاحترام".

وعن اهتمام الانجليز بدولة الكويت، يقول الخطيب "أما الإنجليز، دولة الحماية، فقد كانت الكويت مهمة جداً لهم، فمعظم استهلاك بريطانيا من النفط يأتي من الكويت، وكانت كل أرصدة الكويت مودعة بالجنيه الإسترليني في بريطانيا. كانوا يهتمون كثيراً باستقرار الوضع والحفاظ على الامتيازات التي يتمتعون بها. وكانوا قلقين لتردي الأوضاع الداخلية في الكويت وتصرفات بعض أفراد الأسرة الحاكمة التي أخذت تثير السخط عند الكويتيين، فمثلاً اتصل بي الدكتور بيتر ويلسون وهو يعمل في المستشفى الأميري وكانت تربطني به صداقة زمالة ونقل إليّ رسالة من المعتمد البريطاني يقول فيها إنه يشاركني قلقي من تصرفات بعض الشيوخ، وقال: إنه مكلف من الحكومة البريطانية بأن أطلب إليك أن تضع قائمة بأسماء الشيوخ الذين ترى أن وجودهم في الكويت يعرقل عملية الإصلاح، وتوقع عليها من اثنين من الكويتيين وهم مستعدون لينفوهم إلى الخارج! الحقيقة أنني صعقت من هذا الكلام والتدخل الصارخ في شؤوننا الداخلية؛ فقلت له: يجب أن يعرف أن الصباح كويتيون وأنا كويتي، والكويتيون قد يختلفون بعضهم مع بعض إلا أنهم يحلون مشكلاتهم بينهم، ولا يمكن أن يسمحوا للأجنبي أن يتدخل في شؤون الكويت الداخلية، لأن ذلك يرقى إلى مستوى الخيانة. وكان هذا الرد هو سبب مقاطعة السفارة البريطانية لي بعدها، حتى إنني عندما كنت نائباً في المجلس لا أدعى إلى احتفالات السفارة كبقية النواب وإلى يومنا هذا".

وفي نقده  الذاتي للعمل القومي، قال: "كانت طبيعة حقبة الأربعينيات والخمسينيات هي حقبة التحرر الوطني من الاستعمار، الذي كان الوطن العربي يرزح تحته، لا بل كان العالم الثالث كله يناضل من أجل التحرر، وشعار التحرر يتسع لفئات الشعب كلها ويجمعها ما عدا قلة مرتبطة مصالحها مع المستعمر. وكنا في الوطن العربي مستعمرين من قبل الإنجليز والفرنسيين والطليان، أما أمريكا فكانت بعيدة عن المنطقة في تلك الفترة، بل إن رئيس الجامعة الأمريكية آنذاك "دودج" كان يشجع الطلاب على الاشتراك في المظاهرات المطالبة بخروج الفرنسيين من لبنان، وجاءت النكبة لتعمق شعور العداء للغرب والصهاينة. ولعلنا كحركة قوميين عرب، وفي غمرة تلك المواجهة المحتدمة مع العدو، قد نسينا الأهداف الأخرى، فلم يكن برنامجنا يتضمن أي مشروع نهضوي وتنموي، يراعي مصلحة أغلبية المجتمع المسحوقة، ولم يكن لدينا برنامج اجتماعي أو اقتصادي. وكانت قضايا الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان مجمدة، لا بل حتى قضية الوحدة التي كانت المدخل لتحررنا لم تجد الاهتمام الذي تستحقه. فلم يكن عندنا مشروع وحدوي واضح يجيب عن مشكلات الاختلافات الإقليمية ومشكلات الأقليات. لا بل إن كل الأحزاب العربية المنادية بالوحدة بما فيها حركة القوميين العرب وحزب البعث العربي لم يكن عندها أي تصور واضح حول نوعية الوحدة التي نطالب بها. لذلك فوجئنا بوحدة مصر وسورية عام 1958، وظهر التخبط واضحاً فولدت الجمهورية العربية المتحدة مع أمراضها المميتة التي أدت إلى فشلها بسرعة عجيبة. إن السبب في هذا القصور بالنسبة إلينا كحركة قوميين عرب كان واضحاً، فقد كان معظم القادة المؤسسين للحركة من الأطباء، بينما كان بيننا قلة تحمل شهادة جامعية في العلوم السياسية أو الفلسفة أو أي من العلوم الاجتماعية، فلم تكن لديهم أية خبرة عملية. كذلك فإن الأحزاب السياسية العربية خصوصاً في المشرق العربية تعد جديدة نسيباً، وليس لها تاريخ طويل في العمل السياسي، باستثناء الأحزاب الشيوعية التي كانت تتصادم مع طموحات الشعب القومية وكذلك مع انتمائه الديني".

وعبّر الخطيب عن همومه قائلاً: "إنه لمن المؤسف أن قوى كثيرة في منطقتنا لم تستفد من كل هذه المآسي التي مرت بنا، فهي لا تزال توهم نفسها بأن بعض القيادات العربية المستبدة قادرة على النهوض بهذه الأمة، وترى أن حقوق الإنسان واحترام كرامته وحقه في المشاركة في تقرير مصيره هي أمور ثانوية قابلة للتأجيل إلى الأبد، وصدق فيها قول الشاعر عمر أبو ريشة: أمتي كم صنم مـجـدتِـه .. لـم يـكن يحـمل طُهر الصنم"  .

 رحيل هادئ

أحمد الخطيب: رحيل ذاكرة الكويت

في أبريل 2021، استقبل الأمير الشيخ نواف الأحمد، بقصر السيف، الدكتور أحمد محمد الخطيب، وفق وكالة الأنباء الكويتية، التي وصفته بالرمز الوطني، وتناقش الأمير مع الدكتور الخطيب في بعض قضايا الوطن واستمع لمقترحاته، وقد كان هذا هو اللقاء الأخير الذي جمع بينهما، حيث توفي الدكتور الخطيب بعد عام منه تاركًا على صفحته على تويتر آخر وصية له قائلا: "لنستذكر دور الشعب الكويتي وشهداء الكويت في الحفاظ والتمسك بهذا الوطن والدستور الذي التف عليه كل الشعب لعودة الشرعية للكويت".



المرفقات




المصادر