عديمو الجنسية بالكويت: تطور الأزمة ومقاربات الحل

حجم الخط شارك طباعة

فريق منظار | منذ 2021/07/09 21:07:22

تمهيد

تشكل مسألة عديمي الجنسية المعروفون إعلامياً باسم "البدون"، إحدى القضايا الهامة التي أنشأت حولها جدلاً سياسياً واجتماعياً وحقوقياً بالكويت منذ أكثر من نصف قرن، وبسبب تراكم إشكالاتها وتداخل أبعادها؛ أصبحت قضية البدون عميقة الجذور ومعقدة الزوايا، وهو ما نتج عنه تعثر حل المشكلة جذرياً، رغم العديد من المحاولات الرسمية والبرلمانية.

لا يمر أسبوع دون انفجار إعلامي حول ذات القضية. لم يكن قمة الجدل في أكتوبر الماضي استثناءً في المشهد، عندما أعاد رئيس مجلس الأمة طرح مشروع قانون يهدف إلى إنهاء مشكلة عديمي الجنسية إلى الأبد- على حد تعبيره- إلا أن اللجنة المختصة بمناقشته لم تنعقد لعدم اكتمال نصابها، وهو ما دفع مرزوق الغانم إلى التلميح بوجود ضغوطات خارجية على بعض النواب، وهدد بكشف أسماء النواب المتسببين بمحاولة "قبر موضوع البدون"، قائلا إن بعضهم كان موقعا بالأساس على القانون وتراجع عنه لاحقا. فيما اعتبر بعض الحقوقيين الكويتيين أن قانون "الغانم"، غير عادل ولا ينصف فئة البدون التي تستحق المواطنة الكاملة، ولمّح بعضهم إلى أن القانون بالأساس مخالف للدستور والمواثيق الدولية.

في السياق ذاته، دعا النائب مرزوق الخليفة لجنة الشؤون التشريعية والقانونية إلى الإسراع في إقرار الاقتراح بقانون بشأن الحقوق المدنية لفئة البدون، والمقدم من جمعية المحامين منذ ديسمبر الماضي، مطالباً السلطتين بالتعاون لمعالجة هذه القضية. وقبل شهر أيضا، أعلن خمسة نواب عن تقدمهم باقتراح بقانون في شأن الحقوق القانونية والمدنية لغير محددي الجنسية، ويقضي الاقتراح الذي تقدم به كل من النواب عدنان عبدالصمد وأحمد الحمد وخليل الصالح ومبارك الحجرف والصيفي الصيفي بمنح فئة غير محددي الجنسية الحقوق المدنية والإنسانية الأساسية وفي مقدمتها التعليم والعلاج والعمل والزواج وحرية التنقل في الداخل والسفر للخارج.

في هذه الدراسة التحليلة، نحاول تفكيك وتفسير أبعاد قضية عديمي الجنسية، عبر نهج وصفي تطوري، وصولاً إلى استعراض مواقف جانبي المشكلة: المؤيد للحل الجذري بالتجنيس الكامل، والرافض لهذا الحل لأسباب أمنية وسياسية واقتصادية، وما بينهما من توصيات.

عديمي الجنسية أو "البدون"

نشرت مجموعة حقوق الأقليات الدولية (MRGI) تأريخاً حول الأقليات والشعوب الأصلية، نصت فيه على أن فئة عديمي الجنسية المشهورة بـ "البدون"، هم أقلية عربية عديمة الجنسية في الكويت ولم يتم إدراجهم كمواطنين في وقت استقلال البلاد أو بعد ذلك بوقت قصير. وتعرّف اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1954 الخاصة بـ"عديمي الجنسية" بأنه "الشخص الذي لا تعدّه أية دولة مواطنا فيها بمقتضى تشريعاتها".

وفي تقرير مشترك في يوليو 2019 بمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في سياق المراجعة الدورية الثالثة للكويت، قسّم معهد انعدام الجنسية (ISI) البدون إلى ثلاث فئات رئيسية:

الأولى؛ أولئك الذين فشل أسلافهم في التقدم بطلب للحصول على الجنسية أو افتقروا إلى الوثائق اللازمة عندما حصلت الكويت على الاستقلال في عام 1961. والثانية؛ المجندين من الخارج للعمل في الجيش أو الشرطة الكويتية خلال الستينيات، والذين استقروا بشكل دائم في الكويت مع أسرهم. والثالثة؛ أطفال الأمهات الكويتيات والآباء عديمي الجنسية.

وفي كتابه "المواطنة في الكويت" صنّف الدكتور فارس الوقيان، عديمي الجنسية على شريحة أوسع من الفئات مثل:

 

 

شريحة أبناء البادية المستثناه من المادة 25 من قانون الإقامة لعام 1959، وشريحة المتضررين من ثغرات لجان التجنيس حتى عام 1965، وشريحة المتضررين من ميزة قانون 1972، وشريحة أزواج وأبناء الكويتيات المحرومات من حق المواطنة، وشريحة المدّعين أنهم "بدون" بسبب إتلافهم جنيساتهم الأصلية، وشريحة العاملين بالسلك العسكري والمشاركين بالحروب، كما بالشكل الموضح.

 

 

وبحسب التصنيف القانوني للجهاز المركزي بالكويت لعام 2017، فإن ملفات البدون مقسمة إلى ثلاث مجموعات: الأول؛ المقيمين غير الشرعيين الذين يحتاجون إلى تعديل. والثاني؛ المقيمون غير الشرعيين الذين يمكن اعتبارهم للحصول على الجنسية. والثالث؛ المقيمين غير الشرعيين الذين يتم إصدار تصاريح الإقامة لهم بعد تصحيح وضعهم (إعلان الجنسية الأصلية).

التطور التاريخي لمسألة "البدون"

يمكن تقسيم تاريخ مشكلة البدون منذ نشأتها حتى الآن إلى عدة حقب أو محطات زمنية هامة.. تُشكّل البداية الفعلية عام 1946، ثم المرحلة التالية من عام 1958 إلى 1965، ثم من عام 1985 وحتى الغزو العراقي 1991، ثم مرحلة ما بعد التحرير وحتى 2000، ثم الحقبة المعاصرة خلال الـ15 سنة الماضية.

فبعـــد اكتشــاف الــنفط وبدايــة تصــديره عــام 1946، بــــدأت الهجــرة للكويــت مـــــن البلدان المجاورة بحثاً عــــن العمل والاستقرار، ولم تكن هناك قوانين مرتبة أو صارمة تنظّم مثل هذه الهجرة كما هو متعارف عليه الآن، ومع انتقال الآلاف من المهاجرين؛ أخفى بعضهم هويــاتهم الأساسية طمعاً فـي الحصـول على الجنسية الكويتيـة وامتيازاتهـا، فتنامـت هـذه الفئـة بشـكل كبيـر فـي غضـون فترة قصيرة. ظهــرت المشــكلة بشــكل علنــي بعــد إحصــاء عــام 1965 حيــث تبــين أن تعـدادهم آنـذاك قـد بلـغ  51466 فـرداً ، وانخفـض عـددهم فـي إحصـاء عـام 1970 إلى  39461 فرد، بعد تجنيس بعضهم.

حتى عـام  1985 كـان وضـع البـدون فـي الكويـت وضـعاً مميزاً، حيث كانت تـتم معـاملتهم كـمواطنين كويتيين، وتلقى أغلبهم تعليماً مجانياً في المدارس الحكومية، وحصلوا على رعاية صحية مجانية، ووصل الأمر إلى درجة منح الجنسية لأي طالب من البـدون يكمــل تعليمــه الثــانوي في بداية السبعينيات. وفقا لرواية الحكومة، فقد أدى ذلك الوضع المتميز للبدون إلى إخفاء عدد ليس بقليـل مـن حملـة الجنسـيات الأخـرى للـدول المجـاورة لجنسـياتهم وتسـجيل أنفسـهم علـى أنهـم "بـدون"، وقـد اسـتمر ذلـك الوضـع لفتـرة طويلـة ممـا أسـس للكثيـر مـنهم أوضـاعاً قانونيـة كعديمي جنسية، خاصـة وأن غالبيــة أولئـك كـانوا قـد انخرطـوا فـي السـلك العسـكري، ولـم يظهر طـوال هـذه الفتـرة بــأن الحكومـة كانـت منزعجـة مـن ذلك الوضع، بل إن كل الإجراءات الرسمية كانت تتجه صوب التسـهيل علـى البدون والترحيب بهم، ومعاملتهم معاملة طبيعية في جميع المجالات.

بداية من عام 1986، بدأت الحكومة في تقييد حصول البدون على جوازات السفر، ومنحتها فقط للأفراد الذين لديهم تصريح رسمي بالسفر إلى الخارج لتلقي العلاج الطبي أو التعليم أو الأغراض الدينية، أو للبدون الذين يخدمون في الجيش والشرطة. ثم طلبت السلطات من جميع موظفي الحكومة منهم تقديم دليل على الجنسية الكويتية أو الأجنبية، أو سيضطرون إلى فقدان وظائفهم.

وفي نفس العام، بدأت الحكومة في تطبيق قانون إقامة الأجانب على البدون، وتجريدهم من الكثير من الامتيازات التي كانوا يتمتعون بها منذ الاستقلال، وتصنيفهم على أنهم "مقيمون غير قانونيين". وفي عام 1987، توقفت وزارة الداخلية عن إصدار أو تجديد رخص القيادة للبدون باستثناء أولئك العاملين في الشرطة أو الخدمة العسكرية وفي نفس الوقت توقفت عن السماح للبدون بتسجيل ملكية السيارات بأسمائهم.

لا يمكن عزل السياق السياسي في هذه الحقبة عن سلوك الحكومة تجاه عديمي الجنسية، فقد كانت المنطقة تشتعل بصراع الطائفي متصاعد وتوترات إقليمية منذ الثورة الإيرانية عام 1979 والحرب الإيرانية العراقية حتى عام 1988. بالإضافة إلى المحاولة الفاشلة لاغتيال أمير الكويت الشيخ جابر الأحمد الصباح، بسبب موقف الكويت من حرب إيران بالخليج. في هذه الظروف الملتبسة، اعتبرت الحكومة الكويتية "البدون" تهديدًا أمنيًا، خاصة بعدما اكتشفت أن بعض الأفراد الوافدين من العراق الراغبين في تجنب الاضطهاد كانوا يتخلصون من أوراق هويتهم ويتظاهرون بأنهم عديمي جنسية. ورغم حكم محكمة الاستئناف لصالح البدون في عام 1988، بعدم جواز اعتبار البدون "أجانب" لعدم وجود دولة أخرى تعتبرهم مواطنين لديها، إلا أن هذا الأمر لم يغير كثيراً من سياسة الحكومة تجاه عديمي الجنسية.

مع الغزو العراقي للكويت عام 1990، كان البدون يشكلون غالبية الجيش الكويتي، وبينما شارك البدون في الدفاع عن الكويت في هذه الحرب واستشهد منهم عدد كبير وأًسر أعداد أخرى؛ اعتبر بعض المؤرخين أنهم كانوا كبش فداء سهل لاستسلام بلدهم للجيش العراقي، وبعضهم أجبروا على القتال في الجانب العراقي (خيرت السلطات العراقية البدون بين الانضمام إلى ميليشيا الجيش الشعبي أو السجن والإعدام). وبعد انتهاء الحرب طردت الحكومة الكويتية البدون بشكل جماعي من الجيش، وحوكم بعضهم في محاكم عسكرية بتهمة التعاون مع الأعداء، وفر الكثيرين من البدون ولم يستطيعوا العودة مرة أخرى، فيما قالت مصادر أخرى أنه تم ترحيل حوالي عشرة آلاف على الاقل منهم، ونتيجة تلك التدابير انخفضت أعداد البدون من حوالي ربع مليون إلى حوالي 100.000 فقط في بداية التسعينيات، وعاش العديد من البدون في مخيمات اللاجئين على طول الحدود العراقية الكويتية لمدة تصل إلى ثمانية أشهر بعد التحرير.

في مارس 1996، أنشئت "اللجنـة التنفيذيـة لشـئون المقيمـين بصـورة غيـر قانونيـة"، برئاسـة وزيـر الداخليـة بمرسـوم أميـري رقـم 58 لنفس العام، بهدف اتخـاذ الإجـراءات التنفيذيـة اللازمـة لمعالجـة أوضـاع البـدون، وقامـت اللجنة بإنشاء قاعدة بيانات جديدة للبدون.

وفي عـام 2000 صدر القـانون رقـم  22 بتجنـيس مـا لا يزيـد عن 2000 شخص، وخـلال الأعوام التالية، درجـت الحكومـة علـى تجنـيس أعـداد قليلـة سـنوياً تماشـياً مـع سياسـتها المتحفظة من بعد حرب الكويت.

في عام 2003، سُمح لحوالي 5500 من البدون بالتقدم بطلب للحصول على الجنسية وتم تجنيس حوالي 1600 منهم، وفي عام 2006، أنشأت لجنة جديدة للتعامل مع قضية البدون، وفي عام 2008 تم اقتراح قانون آخر في مجلس الأمة، في محاول للحل الجذري للمشكلة، لكنه لم يمر بالمجلس.

وفي عام 2004 قالت وسائل إعلام محلية، أن بعض المدارس الكويتية الخاصة أنذرت العشرات من أبناء "البدون" بالفصل، بسبب تخلفهم عن دفع الرسوم المدرسية، مما أدى لتجدد إثارة نقاش القضية، وهو ما دفع الحكومة الكويتية إلى إنشاء صندوقاً خاصاً لدفع نفقات التعليم للأطفال المحتاجين، ووافقت وزارة التربية والتعليم على مجانية التعليم لجميع أبناء البدون، لكن منظمة هيومن رايتس ووتش، انتقدت الخطوة الحكومية مؤكدة على أن الأطفال الذين لا يحمل والدهم بطاقة هوية "أمنية"، لا يشملهم مجانية التعليم، كما أن بعض الأطفال لا يحملون شهادة ميلاد بالأساس. وكانت المحكمة الابتدائية قد أصدرت حكما في مارس 2009، بأحقية استخراج شهادة زواج للنساء البدون المتزوجات من كويتيين، وأصدرت نفس المحكمة بعدها بشهور حكماً بأحقية استخراج شهادات ميلاد لأطفالهم. وقبل نهاية العام نفسه تقدم بعض النواب في مجلس الأمة الكويتي يتقدمون باقتراح يمنح البدون ما وصفوه بحقوقهم المدنية التي تحرمهم منها الدولة،على حد تعبيرهم.

وفي 2007، أقر مجلس الأمة مشروع قانون يقضي بتجنيس 2000 شخص من البدون، وأحاله إلى الحكومة لاتخاذ الإجراءات التنفيذية، وفي العام التالي؛ رفعت نخبة مكونة من مائة شخصية من المفكرين والأعلام الكويتيين وأساتذة الجامعات عريضة، يطالبون فيها مجلس الأمة والحكومة حلول منح البدون حقوقهم السياسية.

وفي 2009، فشل مجلس الأمة في عقد جلسته المقررة لبحث ملف البدون لعدم اكتمال النصاب القانوني، ما دفع بعض النواب لاتهام الحكومة بإجهاض الجلسة عمدا، على خلفية دعوة بعض النواب لمجموعة من البدون إلى التجمع أمام مقر المجلس تزامناً مع الجلسة. وفي أكتــوبر 2009 صــدر قــرار مجلــس الــوزراء رقــم 906 بشــأن تكليــف المجلس الأعلى للتخطيط والتنميـة بدراسـة مشـكلة البـدون وتقـديم التوصـيات والمقترحات الكفيلة بمعالجتها بصورة جذرية وحاسمة. وبعد عام واحد أصدر المجلس المذكور تقريـراً هامـاً تضـمن 11 بنداً مـن المبـادئ والمرتكـزات التـي يعتمـد عليهـا الحـل، وفــي نوفمبر 2010 أُنشئ "الجهــاز المركــزي لمعالجــة أوضــاع المقيميــين بصورة غير قانونية" المشهور باسم لجنة البدون، للعمل على تنفيذ هذه الأسس والمرتكزات وهـي:

1. العدالة في معالجة الحالات: تجنـيس المسـتوفين للشروط، ومحاسبة المخالفين والمزورين.

2. توفير وسـائل الحيـاة الكريمـة لهـذه الفئـة، وذلـك باسـتمرار تقـديم الخـدمات الأساســية كــالعلاج والتعلــيم وغيرهــا، وذلــك تأكيــداً علــى الالتــزام بمبــادئ حقوق الإنسان.

3. مسألة التجنيس حق سيادي للدولـة، وتخضـع في تنظيمها لقانون الجنسـية، وذلك وفقاً لمقتضيات المصلحة الوطنية

4. اعتبــار المصــلحة العليــا للــبلاد كأســاس فــي التعامــل مــع الحالات وفقاً للسجلات الأمنية أو الجنائية لكل حالة.

5. إعطاء أهمية لمعايير الولاء والتضحية وحاجة البلاد: الأولوية لأبنــاء الشــهداء والأســرى، وبعــض المهــن كالعســكريين، وأصــحاب التخصصات المطلوبة.

6. إعطاء أهمية لمعيار القرابة مع المواطنين الكويتيين: علاقـات النسب والتزاوج معهم.

7. إعطاء أهمية للبعد التاريخي وزمن التواجد في البلاد، لتعزيز الاندماج في المجتمع.

8. التأكيـد علـى أن قيـام "عديمي الجنسية" بتعـديل أوضـاعهم، بغـــض النظـــر عـــن جنســـياتهم لا يحـــول دون النظـــر فـــي حصـــولهم علـــى الجنســـية الكويتيـــة، ٕوانمـــا يمـــنحهم الأولويـــة فـــي ذلـــك إذا تـــوافرت فـــيهم الشروط التي حددها القانون.

9. التأكيد على ضرورة أن تحظى "الحالات الاستثنائية الصارخة" من عديمي الجنسية بالإسـراع فـي البـت فـــي أمرهـا ومعالجتهـا، مثل: الحــالات المســتوفية للشــروط ومتكاملــة الوثــائق والمســتندات الثبوتية لأحقيتها، بما لا يترك مبرراً للمزيد من التأجيل لها. والحالات الصـارخة فـي مخالفتهـا للقـانون، والتـي يمثـل اسـتمرار أوضــاعها المعلقــة إضــراراً بليغــاً بالمصــلحة الوطنيــة.

10. التركيز على إزالة ومعالجـة أوجـه الخلـل القائمـة لتـتمكن هـذه الشـريحة مـن تجـــاوز معاناتهـــا، وذلـــك بـــدلاً مـــن "تطويـــع" القـــوانين الســـارية، وطـــرح التعــديلات "المتكلفــة".

11. اتخــاذ كافــة الإجــراءات الواضــحة والمدروســة والحازمــة التــي تــؤدي إلــى تصـحيح وقلـب المفهـوم الخـاطئ، وتؤكـد بـأن الادعـاء "بـدون جنسـية" هـو ادعــاء خاســر لا طائــل منــه.

أصدر الجهاز المركزي أو لجنة البدون، قرارا باستخراج ما تسمى ببطاقة الهوية الأمنية، لمن ثبت تسجيله في تعداد عام 1965 أو أثبت إقامته في الكويت قبل ذلك الوقت، وخلص إلى أن 34 ألف من البدون يستوفون شروط الأهلية للحصول على الجنسية الكويتية، كما أن 68000 من البدون يقال إنهم مواطنون عراقيون أو لديهم "أصول أخرى" ، ولديهم 3 سنوات لتصحيح وضعهم أو مواجهة إجراءات قانونية، فيما تم تسجيل 4000 شخص آخر على أنهم غير محددين الوضع.

في فبراير 2011 وقعت أول مظاهرات البدون من أجل الحصول على حقوق الجنسية، ووعدت الحكومة ببعض الإصلاحات، فبعد أقل من شهر، فــي مــارس 2011 أصــدر مجلــس الــوزراء القرار رقم 409 بتوجيه "الجهاز المركزي لمعالجة أوضاع المقيمـين بصـورة غيـر قانونيـة" نحـو اســـتكمال تقـــديم المزايـــا والخـــدمات والتســـهيلات فـــي المجـــالات الإنســـانية والاجتماعية والمدنية وهي: العلاج والتعليم وشهادات الميلاد ووثائق الزواج والميراث والطلاق، وشهادات الوفاة ورخص السيارات والعمل والتموين ورعاية ذوي الإعاقة. ثم صدر القانون رقم 100 في أبريل 2013، بتحديد العـدد الـذي يجـوز منحـه الجنسـية الكويتيـة بما لا يزيد عن 4000 شخص.

لم يقتنع أغلب البدون بإجراءات الحجكومة ووعودها، فكرروا النزول للشارع في احتجاجات مارس 2011، وقامت قوات الأمن بتفريق المظاهرات بالقوة، وذكرت الصحف الكويتية أن 140 من البدون اعتقلوا في هذه الحادثة، وفي يناير2012، فرقت الشرطة مرة أخرى مظاهرات في الجهراء والصليبية، غرب العاصمة الكويتية، نظمها مئات من البدون للمطالبة بمنحهم الجنسية الكويتية.

في 2013، انعقد المؤتمر الأول لبحث مشكلة البدون في الكويت بتنظيم من (مجموعة 29) ومشاركة منظمات حقوقية دولية ومحلية وخبراء قانونيين ومؤسسات مجتمع مدني. وبعد عدة أشهر عاودت الشرطة تفريق مظاهرة جديدة للبدون باستخدام الغاز المسيل للدموع واعتقلت العشرات منهم حسب التقارير الحقوقية، فيما أعلن مسئولوين حكوميين أن البدون بإمكانهم الحصول على جنسية جمهورية جزر القمر لحل مشكلتهم. الأمر الذي أدى إلى هجوماً إعلامياً كبيرا على الحكومة.

في عام 2016، طلبت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة معلومات من الحكومة حول وضع البدون وحقوقهم، وجاء رد الحكومة الكويتية بأنه تم إدخال العديد من التعديلات على قانون الجنسية الكويتي بهدف توسيع قاعدة المتقدمين المؤهلين، وأضافت أن ما يقرب من 16000 من البدون الذين استوفوا الشروط القانونية المطلوبة قد حصلوا على الجنسية في السنوات الأخيرة، كما تم إصدار 96 ألف بطاقة مراجعة للبدون لمساعدتهم على الحصول على  الخدمات المدنية.

وفي عام 2017، أعلنت الحكومة مبادرة جديدة تسمح لأبناء الجنود الذين خدموا في الجيش وأبناء الجنود القتلى والمفقودين في القتال للانضمام إلى القوات المسلحة مجددا، وهو ما أقره مجلس الأمة في 2018.

في أبريل من العام 2018، تفاجئ بعض البدون بإغلاق حساباتهم البنكية، وانتشرت حملات إعلامية غاضبة عبر وسائل التواصل الاجتماعي رفضا للقرار، الأمر دفع الجهاز المركزي إلى إصدار بيان أكد من خلاله أن الأمر يتعلق بفئة محدودة ترفض تجديد بطاقاتها نتيجة ورود عبارات دالة على الجنسية لأقاربهم في البطاقة، وأضاف البيان أنه من باب تخفيف معاناة المجمدة حياباتهم فقد اتفق الجهاز مع البنوك على معالجة الأزمة عبر تسليمهم جميع المبالغ الموجودة بهذه الحسابات في حال طلبوا من البنك ذلك.

بعد أقل من عام؛ شهدت الكويت في 2019، حادثا مؤسفاً، إذ أقدم شاب من البدون يدعى (عايد حمد) على الانتحار وهو في عمر الـ 20 فقط، نتيجة عدم حصوله على أوراق رسمية وفقدانه لوظيفته، واندلعت بعض احتجاجات في أعقاب الحادث. وفي نوفمبر من نفس العام، طرح مجلس الأمة تشريعا جديداً يمكّن البدون من التقدم بطلب للحصول على الجنسية ومنحهم الإقامة بشرط أن يعلنوا عن جنسيتهم الأصلية. فيما كشفت صحيفة "الرأي" الكويتية، أن الحكومة الكويتية، وبالتنسيق مع رئيس مجلس الأمة، يعملون على إنهاء ملف "البدون" بشكل نهائي، مع احتمالية منح قسم منهم الجنسية العراقية، حيث تم تداول الموضوع رسميا مع رئيس البرلمان العراقي محمد الجلبوسي، ولم تصدر الحكومة الكويتية أي رد حول هذه الأخبار، لكن البرلمان العراقي في ديسمبر الماضي، رفض مشروع قانون "اللاجئين" لتخوفه من تداعيات "تجنيس الأجانب".

وفي 2020، تقدم عدد من النواب بعدة مقترحات لقوانين جديدة لحل مشكلة البدون، على رأسها مقترح رئيس المجلس مرزوق الغانم، فيما مددت الحكومة الكويتية ولاية "الجهاز المركزي لحل أوضاع المقيمين بصورة غير قانونية" لسنة أخرى. كما أعلن الجهاز المركزي إصدار 2798 رخصة قيادة جديدة للمقيمين بصورة غير قانونية خلال العام نفسه بالتعاون مع الإدارة العامة للمرور بوزارة الداخلية، موضحاً أن الحصول على الرخص متيسر لمن يحملون بطاقات مراجعة سارية المفعول.

على جانب آخر، أعلنت جامعة الكويت أن عدد الطلبة المقيدين من المقيمين بصورة غير قانونية بلغ 1142 طالبا وطالبة خلال العام الدراسي 2020-2021، وسجلت كلية التربية أكثر عدد من هؤلاء الطلبة بواقع 370 طالبا وطالبة تليها كلية الآداب ب 181 طالبا وطالبة من ثم كلية العلوم ب 148 وتوزع باقي الطلبة على مختلف الكليات الأخرى. وأوضحت الجامعة أن عدد الخريجين من الطلبة البدون بلغ 137 خريجاً وخريجة خلال العام الدراسي الأخير.

وفي السياق نفسه، صرح نائب المدير العام للخدمات الاجتماعية (ماجد العازمي) بأن بيت الزكاة قد قدم مساعدات مالية خلال عام 2020 بلغت 14498000 دينار استفادت منها 15642 أسرة من المقيمين بصورة غير قانونية في البلاد. وقال العازمي إن هذه المساعدات المالية انقسمت الى مساعدات شهرية ومساعدات مقطـــوعة، فبالنــــسبة للمساعدات الشهرية فقد بلغ مجموعها 4360000 دينار واستفادت منها 2160 أسرة، فيما استفادت 13482 أسرة من المساعدات المالية المقطوعة والتي بلغت 10137000 دينار.

إحصاءات البدون

رغم عدم وجود إحصاءات رسمية "محدثة" عن أعداد البدون، إلا أنهم يتوقع أن يشكلوا نسبة 2.5 في المائة من السكان مقارنة بإجمالي عدد السكان الذي يزيد عن 4 مليون، وذكر تقرير وزارة الخارجية الأمريكية (USSD) لممارسات حقوق الإنسان في الكويت في عام 2019 والذي نُشر في مارس من العام الماضي، أنه وفقا لأحدث الأرقام الحكومية، كان هناك ما يقرب من 88000 من البدون في البلاد، في حين قدرت هيومن رايتس ووتش عدد البدون بأكثر من 100 ألفن وهو ما أكدته منظمة فريدوم هاوس؛ في تقرير "الحرية في العالم 2020" المنشور في مارس 2020، بأن هناك أكثر من 100 ألف بدون مقيمين في الكويت.

وكانت آخر تصريحات رسمية من الحكومة الكويتية حول الأعداد الدقيقة للبدون، في 2014، حيث صرّح وزير الداخلية محمد خالد الصباح، رداً على سؤال برلماني أن إجمالي عدد المقيمين بصورة غير قانونية بالبلاد والمسجلين في الجهاز المركزي بلغ 111493 منهم  3185 شخصاً متزوجون من كويتيا ، وبذلك من الممكن أن يشكل البدون 10% من المواطنين الكويتيين في حينها. وأضاف أن محاولات الجهاز للتعرف على الجنسية الأم لبعض البدون منذ عام 1986 أسفرت عن معرفة الإحصاءات التالية:

وتمثل الأعداد السابقة لمن قاموا بتعديل أوضاعهم، بنسبة حوالي  44% فقط من إجمالي البدون في الكويت مما يعني أن 56% من البدون لم تعدل أوضاعهم بعد.

وفي مارس 2104، قال الجهاز المركزي أن أعداد العاملين المدنيين لدى الجهات الحكومية من البدون قد ارتفعت إلى  1419 موظفا وموظفة موزعة على الوزارات المبينة بالجدول المرفق، وجاءت وزارتي الصحة والتربي علىرأس الوزارات الأكثر عددا من موظفين البدون:

جدير بالذكر أن المجلس الأعلى للتخطيط العالي في الكويت كان قد أعلن في 2010، عن نتائج دراسته التى كشفت عن وجود 106000 شخص "غير محدد الجنسية" في البلاد. فيما قالت دراسة لإدارة البحوث والدراسات التابعة لمجلس الأمة عام 2014، أن أهم سمات فئة عديمي الجنسية تتمثل في أن أغلبهم من الأطفال من دون الخامسة عشرة ويمثلون نحو %85 من العدد الإجمالي للبدون. كما أن نسبة البدون من ذوي التعليم المحدود والمتوسط بلغت 87%. وذكر التقرير أن البدون يتمتعون بارتفاع حجم الأسرة، حيث يصل معدل الإعالة فيها إلى 7 أفراد في المتوسط، بينما لا تزيد عن 4.5 في الأسرة الكويتية.

الجدل الحقوقي والضغوط الدولية بشأن البدون

لا شك أن قضية البدون تعتبر من أبرز القضايا التي تواجه حكومة الكويت فيها ضغطا حقوقيا ودولياً، للدفع تجاه تسوية أوضاع عديمي الجنسية، وتضررت سمعة الكويت الدولية على مر الزمان بسبب هذا الملف الشائك الذي لم يجد حلاً جذريا مرضيا لجميع الأطراف، في ضوء تعطل مناقشة القوانين المقدمة لمجلس الأمة من عدة جهات أو نواب.

دعت الأمم المتحدة الكويت إلى إنهاء التمييز ضد سكان البدون، في تقرير لها في سبتمبر 2017، وقال البيان "أن البدون لا يتمتعون بالمساواة في الوصول إلى الخدمات الاجتماعية، والإجراءات القانونية، والوثائق المدنية الصالحة قانونًا". ودعت إلى إيجاد حل دائم، وتقييم طلبات الحصول على الجنسية الكويتية من خلال قرارات مكتوبة ومعللة يمكن الطعن فيها.

وأوردت تقارير هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية وتقارير الخارجية الأمريكية، العديد من الانتهاكات التي يواجهها البدون بالكويت على مدار تاريخ الأزمة. ففي مارس 2020، ذكر تقرير وزارة الخارجية الأمريكية USSD، أن الجهاز المركزي المعني بترتيب أوضاع البدون، لديه منذ 2018، عشرات الآلاف من طلبات الجنسية قيد المراجعة، دون رد من الحكومة، ووفقا للتقرير فإنه "على الرغم من أن البدون يحق لهم بموجب القانون الحصول على مزايا حكومية بما في ذلك الإقامة لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد، والرعاية الصحية والتعليم المجاني، والبطاقات التموينية، فقد زعم كثير من فئة البدون أنه كان من الصعب عليهم الاستفادة من هذه الخدمات بسبب البيروقراطية".

وانتقد التقرير عدم وجود مسار قضائي للبدون للاحتكام في قضايا الجنسية والدفاع عن موقفهم قائلاً: "لا يوفر القانون للأشخاص عديمي الجنسية، بما في ذلك البدون، طريقًا واضحًا للحصول على الجنسية، وأدى افتقار النظام القضائي إلى سلطة الحكم على وضع الأشخاص عديمي الجنسية إلى تعقيد العملية، مما ترك البدون دون الوصول إلى القضاء لتقديم الأدلة، أو والدفاع عن قضيتهم للحصول على الجنسية".

ترى الحكومة الكويتية أن الغالبية العظمى من البدون هم في الواقع رعايا دول أخرى، وبالتالي ليس لديهم مطالبات مشروعة بالجنسية الكويتية، ما يعني إنكار مبدأ "عديمي الجنسية" عن كثير من البدون. ووفقاً لللخطاب الرسمي للدولة؛ فإن كثير من البدون هم مجموعات جماعات وأفراد جاؤوا من دول مجاورة واستوطنوا أرض الكويت بعد أن أتلفوا وثائقهم وجوازاتهم من أجل الاستفادة من الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في المنطقة  بعد اكتشاف الوفرة النفطية فيها.

وفي مقابلة تلفزيونية عام 2013، أكد صالح الفضالة، رئيس الجهاز المركزي الكويتي لشؤون المقيمين بصورة غير قانونية، أن لديه "أدلة على أن 67000 من البدون في الكويت يحملون جنسيات أخرى". وادّعى أن "34000 فقط من البدون مؤهلون للحصول على الجنسية الكويتية".

وقدمت الدولة مزايا عديدة لمن يكشف عن جنسيته الأخرى، بما في ذلك أولوية التوظيف بعد المواطنين الكويتيين، و الحصول على أوراق ثبوتية ورخصة قيادة. وبداية من مارس 2018، اعترف حوالي 12700 من البدون بأن لديهم جنسيات أخرى، حسب بيانات عدد من التقارير الحقوقية.

في تقرير مشترك في يوليو 2020 قدمته منظمات حقوقية إلى لجنة الأمم المتحدة لحقوق الطفل، صرحت منظمة سلام من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان، ومركز إعمال الحقوق، ومجموعة مينا لحقوق الإنسان، والحملة العالمية للمساواة في حقوق الجنسية، ومعهد انعدام الجنسية والإدماج (ISI)؛ أنه يتعين على آباء وأمهات الأطفال البدون تقديم وثيقة رسمية من الجهاز المركزي لمعالجة أوضاع "المقيمين بصورة غير قانونية"، تؤكد صحة المعلومات الواردة في بطاقة الهوية الجديدة قبل استلام شهادات الميلاد للأطفال حديثي الولادة، ما يعني أنه ليس لدى العديد من الآباء من البدون خيار سوى التأكيد على صحة المعلومات التي قدمها الجهاز المركزي بدعوى أنهم من مواطني دولة أخرى، ووفقا للتقرير؛ فإن هذا الإجراء يناقض رواية الحكومة حول انخفاض أعداد البدون بسبب حل مشاكلهم، حيث يمثل التوقيع على هذه الموافقة منعاً فعليًا من الجنسية الكويتية ويزيد من التصورات الموصومة للبدون على أنهم أخفوا جنسياتهم الأصلية!

وأضاف التقرير، أن البدون من الفئة "المعلقة" التي لم تحصل على الجنسية الكويتية ولم تعترف بوجود جنسية أخرى، أو لم يشملهم امتيازات القوانين السارية، لا يزالون محرومون من التوظيف بالوظائف العامة، ومن التملك، حيث تنص المادة 6 من القانون رقم 5 لعام 1959 على أن أي شخص يسعى لتسجيل ملكية عقار يجب أن يثبت جنسيته إما بإبراز جواز سفره أو من خلال وثيقة أخرى سارية المفعول.

وأوضح التقرير أنه بسبب تشجيع البدون على الكشف عن جنسياتهم الأخرى، تورط بعض المسئولين في تجارة جوازات السفر الأجنبية المزورة، التي لجأ الكثير من البدون لها، وأصبحت هذه التجارة رائجة في الكويت لبضع سنوات رغم تداعياتها الخطيرة. وفي أبريل 2011، اعترف النائب (حسين مزيد) علنًا بهذا الأمر قائلاً: تم التصديق على صلاحية هذه الوثائق المزيفة من قبل أشخاص يعملون في لجنة البدون الحكومية الرسمية، ما شجع المزيد على التوجه لشرائها.

في السياق ذاته، تمثل حالات اعتقال نشطاء البدون وجها آخر للانتقادات الدولية بحق الكويت، وأبرزت وكالات الأنباء العالمية أخبار الاعتقال الثاني للحقوقي عبد الحكيم الفضلي في يوليو 2019 قبل المظاهرات التي اندلعت احتجاجاً على انتحار الشاب عايد ذو العشرين عاما، واستجوبته الأجهزة الأمنية ثم نقلته إلى السجن المركزي قبل أن يتم إطلاق سراحه في يناير 2020، ودعت عدة منظمات، مثل هيومن رايتس ووتش، السلطات الكويتية إلى الإفراج الفوري عن نشطاء “البدون” الذين يُحتجزون دون تهم معترف بها، الأمر الذي يتعارض مع القانون الدولي، على حد وصفها.

في السياق نفسه، وبعد بضعة أشهر من انتحار عايد، انتحر اثنان من البدون وهم بدر مرسال الفضلي وزيد الأسامي بشكل منفصل، حيث عبر كلاهما علناً عن إحباطهما لكونهما بلا جنسية في الكويت، بعد أيام من إعلان مسودة قانون مطروح بمجلس الأمة؛ يشترط على كل فرد من البدون أن يعلن جنسيته الأصلية في غضون عام واحد من أجل الحصول على الجنسية الكويتية. فيما سيعتبر غير القادرين عن إبراز جنسيتهم "مقيمون غير شرعيين".

وكانت صحيفة القبس الكويتية، قد نقلت عن وزير الداخلية ثامر العلي قوله إن "عدد حالات الانتحار من فئة المقيمين بصورة غير قانونية منذ تاريخ انشاء الجهاز المركزي الخاص بهم حتى 2020 بلغ 9 حالات فقط.

فيما قضت محكمة كويتية في يناير الماضي، بسجن ثلاثة متهمين لمدد تتراوح بين 10 سنوات والمؤبد، بعدما أدانتهم بتهم مختلفة على خلفية مشاركتهم في مظاهرات للمطالبة بحقوق البدون، وفق ما أعلنته منظمة العفو الدولية، وقالت المنظمة في بيان لها إن 15 رجلاً بينهم ناشط حقوقي بارز، أوقفوا خلال حملة اعتقالات جرت في يوليو 2019 إثر مظاهرات سلمية لعدد من البدون. وأوضحت المنظمة أن تهماً عدة وجهت للمتهمين الـ16 بينها المشاركة في مظاهرات غير مرخصة ونشر أخبار كاذبة والمس بأمن الدولة.

وكانت كل من الشبكة الأوروبية بشأن انعدام الجنسية (ENS) ومعهد انعدام الجنسية والإدماج (INS) قد نشروا تقريراً في مايو 2019، انتقدوا فيه أوضاع الأطفال عديمي الجنسية قائلاً: "إن أحكام الجنسية التمييزية في التشريع الكويتي والافتقار إلى الضمانات ضد الأطفال الذين يولدون عديمي الجنسية تعني أن انعدام الجنسية أصبح قضية مشتركة بين الأجيال في الكويت. إن انتقال انعدام الجنسية من الأب عديم الجنسية إلى الطفل، بغض النظر عما إذا كانت الأم كويتية وبغض النظر عما إذا كان الطفل قد ولد في الكويت؛ يعني أن أبناء وأحفاد أولئك الذين لم يتمكنوا من التسجيل في البداية كمواطنين كويتيين قد تُركوا أيضًا بلا جنسية".

وحسب تقرير الخارجية الامريكية عن حقوق الانسان، فإن عملية تجنيس البدون ليست شفافة، والقرارات تبدو تعسفية، وحسب المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، يمكن تقسيم السكان البدون إلى 8 ألاف شخص لديهم مطالبات واضحة ومشروعة للحصول على الجنسية، و35 ألف شخص يمكن أن يكونوا مؤهلين، والباقي لديهم مطالبات ضئيلة أو معدومة بموجب القوانين الحالية.

في عام 2013، قالت محكمة الهجرة في بريطانيا، أثناء نظر قضية بعض اللاجئين من عديمي الجنسية القادمين من الكويت، أن "الأدلة المتعلقة بالبدون (الموثقين) لا تظهر أنهم في خطر حقيقي من الاضطهاد أو انتهاك حقوق الإنسان، والأدلة المتعلقة بالبدون (غير المسجلين) تظهر أنهم يواجهون خطر حقيقي من الاضطهاد أو انتهاك حقوق الإنسان".

وفي نوفمبر الماضي، قالت لين معلوف، نائبة مديرة المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة العفو الدولية، تعقيباً على قرار الحكومة الكويتية بتمديد صلاحية الجهاز المركزي (لجنة البدون): "يجب على السلطات الكويتية أن تضع حداً للتمييز المجحف والتهميش الذين يتعرّض لهما أفراد البدون، وأن تكف عن معاملتهم كمقيمين بصورة غير قانونية. وبدلاً من تجديد صلاحية المؤسسة التي ساهمت في هذا التهميش، يجب على السلطات أن تبادر بسرعة إلى مراجعة إجراءات عمل الجهاز حتى يتوقف فوراً عن الضغط على البدون من أجل التخلي عن جنسيتهم الكويتية، وضمان حقهم بالموافقة الحرة والمستنيرة. وبصورة أعم، يجب على السلطات أن تضع حدا للتمييز المجحف والتهميش اللذين يتعرض لهما البدون من خلال إيجاد طريق نحو المواطنة في ظل معايير شفافة وموضوعية".

الرد الرسمي على الانتقادات

لم تستسلم الحكومات الكويتية المتعاقبة للانتقادات الدولية، وحاولت عبر تقارير وبيانات كثيرة إظهار المزايا والحقوق التي يحصل عليها البدون، وفي ردها على رسالة من منظمة هويمن رايتس ووتش في مايو 2011 ذكرت الحكومة الكويتية أن مسألة البدون قانونية بحتة، وأنها منذ قديم الأزل تتابع حل المشكلة، فقد أنشأ المرسوم رقم 221/93، الصادر في 19 أكتوبر 1993، لجنة لتسوية أوضاع المقيمين بصورة غير قانونية، ثم صدر المرسوم الملكي رقم 58 لعام 1996 بتشكيل اللجنة التنفيذية لشؤون المقيمين بصورة غير قانونية، وفتحت لهم ملفات، وتبادلت المعلومات حول أوضاعهم مع كافة وزارات ومؤسسات الدولة.

وفي تقريره المنشور بوسائل الإعلام المحلية، قال الجهاز المركزي، أن الدولة حرصت على توفير التعليم لكل من يقيم على أرضها، ومن خلال التنسيق بين الجهاز المركزي ووزارة التربية يتم تسجيل أبناء وأحفاد الكويتيات وأبناء وأحفاد العسكريين، بالاضافة إلى أبناء العاملين في وزارة التربية بالمدارس الحكومية، حيث بلغ عدد المسجلين بالمدارس الحكومية 13 ألفاً و682 طالباً وطالبة حتى عام 2019. وفيما يخص استخراج الوثائق الرسمية، ذكر التقرير أن استخراج الوثائق الرسمية بأنواعها كافة يعد حقاً ثابتاً تعترف به الدولة لجميع الأشخاص الموجودين على أرضها، ويعتبر إحدى الوسائل التي تحمي الدولة من خلالها الأسرة، ويتم استخراج جميع الوثائق الرسمية "للمقيمين بصورة غير قانونية" بالتعاون بين الجهاز المركزي وكل من وزارتي العدل والصحة، إذ بلغ عدد الوثائق التي تم إصدارها في عام 2018 فقط؛ أكثر من 23 ألف وثيقة.

وكشف التقرير أن عدد المعينين في الجهات الحكومية بلغ 324 موظفاً، ليصبح المجموع الكلي 2066 شخصاً، كما تم تعيين 549 في مؤسسة البترول الكويتية وشركاتها حيث تقدم لهم الكثير من المميزات، كالسكن أو بدل سكن وتذاكر السفر والتأمين الصحي وبدل نقل وغيرها، وبلغ عدد المعينين في الجمعيات التعاونية 739 من هذه الفئة. وأشار إلى أنه تم فتح باب الالتحاق لأبناء الكويتيات وأبناء العسكريين من "المقيمين بصورة غير قانونية" بالجيش الكويتي، حيث بلغ عدد الملتحقين 2981 خلال السنوات الست الأخيرة، لافتاً إلى أنه تم عقد اجتماعات بين رئيس الجهاز المركزي ورئيس وأعضاء مجلس إدارة غرفة التجارة والصناعة لاعتماد كافة بطاقات المراجعة والضمان الصحي وتسهيل تعيين المقيمين بصورة غير قانونية بالقطاع الخاص.

في السايق ذاته، قال التقرير أن نحو 1491 من ذوي الاعاقة من المقيمين بصورة غير قانونية يتمتعون بخدمات المجلس الأعلى للمعاقين، بحسب قانون الهيئة العامة والاتفاقية الدولية المبرمة في شأن حقوق الاشخاص ذوي الاعاقة. كما أن الدولة تخصص شهرياً مواد غذائية مدعومة وبأسعار رمزية، ويتم منح المقيمين بصورة غير قانونية بطاقة تموينية أسوة بالكويتيين، وبلغ عدد المستفيدين قرابة 85 ألف مقيم بصورة غير قانونية بتكلفة ما يقارب 18 مليون دينار خلال المدة المذكورة.

وعن مسار التجنيس، أكد التقرير أن الجهاز المركزي يقوم ببحث ودراسة الملفات لبعض المقيمين بصورة غير قانونية لإعداد كشوف المرشحين للحصول على الجنسية الكويتية، بما يتوافق مع قانون الجنسية الكويتية رقم 1959/ 15، وخريطة الطريق المعتمدة ورفعها لمجلس الوزراء، وقد بلغ من تم تجنسيهم منذ العام 1992 وحتى 2019 ما يقارب 17 ألفاً و285 شخصاً من المقيمين بصورة غير قانونية.

القوانين واللوائح المنظمة لعديمي الجنسية

يعتبر قانون قانون الجنسية الكويتي الصادر عام 1959 أحد محددات التعامل القانوني مع مسألة عديمي الجنسية، وجاءت المواد الرئيسية التي تحدد أحقية التجنيس كالتالي:

• المادة 1: حول الذين استقروا في الكويت قبل عام 1920 وحافظوا على إقامتهم العادية هناك حتى تاريخ نشر القانون.

• المادة 2: حول من ولد في الكويت أو في الخارج وأب كويتي الجنسية.

• المادة 3: من ولد في الكويت مجهول والديه.

• المادة 4: يجوز منح الجنسية الكويتية بمرسوم بناء على تنسيب وزير الداخلية لمن يتقن اللغة العربية ممن يثبت إقامتهم الشرعية في الكويت لمدة 15 سنة للعرب أو 20 سنة لغير العرب.

بعد صدور هذا القانون، سعت السلطات إلى تسجيل جميع المقيمين داخل الكويت وتحديد المؤهلين للحصول على الجنسية، ومع ذلك؛ يبدو أن العديد من أولئك الذين يعيشون في المناطق النائية من البدو، إما لم يعلموا بهذا الأمر أو أهملوا تسجيل طلباتهم، وكان بعضهم أميْ ، وواجه الأشخاص الذين لا يحتفظون بسجلات مكتوبة صعوبات خاصة في إثبات استيفائهم للمتطلبات القانونية للقانون الجديد، فيما قالت تقارير حقوقية أن بعضهم كانوا ببساطة غير مهتمين بالمفهوم الجديد للجنسية، وفشلوا في التنبؤ بالحقوق والمزايا التي ستعود على المواطنين في العقود اللاحقة مع زيادة ثروة الكويت وزيادة خدماتها.

بين عامي 1960 و1987 عدّلت الحكومة الكويتية القانون سبع مرات، وفي كل مرة يتم إدخال قيود إضافية على أهلية الحصول على الجنسية، على سبيل المثال؛ وُضع قيد للحد من عدد التجنيس السنوي، وإلغاء قدرة المرأة الكويتية على نقل جنسيتها إلى أطفالها، وقيد آخر حول أحقية المسلمين فقط في الحصول على الجنسية.

في عام 2000، أصدر مجلس الأمة القانون رقم 20 الذي يسمح بتجنيس الأفراد المسجلين في تعداد عام 1965 وذريتهم. حدد القانون عدد التجنيس بـ 2000 في السنة، ولا يسري منح الجنسية إلا بموجب مرسوم وزاري. تشير التقديرات إلى أن ما لا يزيد عن 20٪ تمكنوا من تلبية الشروط المنصوص عليها في هذا القانون. وانتقد البعض مساحة الاستثناءات الممنوحة للحكومة فيما يخص إدراج شخص في القائمة السوداء لأسباب أمنية والتي تستبعد تلقائيًا البدون من التجنس دون إبداء أي سبب أو القدرة على الطعن في أي محكمة، وكانت وزارة الداخلية قد حددت جملة من المواصفات التي بموجبها يصبح من تنطبق عليه مؤهلا للحصول على الجنسية مثل:

− إدراج الاسم في إحصاء 1965.

− وجود أقارب كويتيين من الدرجة الأولى.

− حاملي الإقامة الدائمة في الكويت.

− الدارسون في مدارس الكويت.

في 9 نوفمبر 2010، صدر المرسوم الأميري رقم 467 لإنشاء الجهاز المركزي لمعالجة أوضاع المقيمين بصورة غير قانونية، والذي منح صلاحيات منح الحقوق المدنية والاجتماعية والإنسانية للبدون المسجلين المسجلين في الجهاز، مثل إصدار شهادات الميلاد والوفاة والعلاج المجاني، وعقود زواج والطلاق، والتارخيص المختلفة.

وأصدر الجهاز ما يسمى بطاقة المراجعة (تشتهر إعلاميا بالبطاقة الأمنية)، والتي تعرض بيانات الشخصية، فيما ينص الجزء الخلفي من البطاقة على أن "هذه البطاقة لا تعمل كدليل على الهوية، ويمكن استخدامها فقط لأغراض محددة"، وبحسب هيومان رايتس ووتش، تم إصدار بطاقات لـ 106 آلاف من البدون الذين سجلوا في لجنة البدون بين عامي 1996 و 2000. وفقا لبيانات الحكومة فإن هذه البطاقة تسمى بطاقة المارجعة، بموجب المرسوم 482/1996 المعدل بالمرسوم 49/2010، وتصدر لكل شخص فوق سن الخامسة ولديه ملف لدى الجهاز المركزي لحل حالة المقيمين بشكل غير قانوني.

تحتوي بطاقة المراجعة على صورة شخصية، ومكان الإقامة، والرقم المدني، ورقم الملف، وتاريخ الميلاد ، وتاريخ إصدارها، وتاريخ انتهاء الصلاحية. وللبطاقة نوعان: الأول؛ مدته سنتان ويصدر للمسجلين في تعداد عام 1965 أو لمن لديه إثبات إقامة طويلة الأمد في الدولة من تلك السنة أو قبلها. والثاني؛ مدته سنة ويصدر لباقي الفئات غير المسجلين في تعداد عام 1965 وليس لديهم ما يثبت الاقامة طويلة الأمد من تلك السنة أو قبلها.

قوانين جديدة قيد الانتظار

قبل عدة أشهر، أعاد رئيس مجلس الأمة طرح مشروع قانون يهدف إلى إنهاء مشكلة البدون، إلا أن اللجنة المختصة بمناقشته لم تنعقد لعدم اكتمال نصابها، وبينما اتهم رئيس المجلس بعض النواب بتعطيل مناقشة القانون؛ انتقدت العفو الدولية المسودة، معللة بأن استمرار التعامل مع "البدون" على أنهم "مقيمون في الكويت بصورة غير قانونية"، يشكل خطرا لأنه يعني إدامة نمط "التمييز والتهميش" الذي يتعرض له فئة البدون، حيث ينزع عنهم حتى وصف "كويتي بدون جنسية" الذي كان يوضع بوثائقهم في ستينات وسبعينات القرن الماضي، ومنه جاءت تسميتهم بالبدون.

ووفقا لمسودة القانون المنشورة إعلامياً، فإن يشتمل مواد من شأنها "إقامة مميزة" سارية المفعول لمدة 15 سنة، لمن يبرز جنسيته الاصلية، لكنه يعطي مهلة محددة للبدون لتصحيح أوضاعهم. وقال حقوقيين أن هذا القانون يضع البدون أمام خيار إبراز الجنسية الأصلية أو الحرمان من الجنسية الكويتية مستقبلاً، وما يترتب عليه من حرمان هذه الفئة بعض الحقوق في العلاج والسفر والتعليم، كما أن الخيار المتاح أمام "البدون" لرفض هذا القانون هو اللجوء إلى لجنة تظلمات فقط، وأن إحدى مخاطر هذا القانون تتمثل في أن أي شخص لا يتمكن من تصويب أوضاعه في غضون مدة أقصاها سنة؛ سيتم معاملته معاملة المقيم الأجنبي، وهو ما يترتب عليه فرض غرامات مخالفة الإقامة، مع إمكانية السجن والترحيل، على حد تعبير التقارير الحقوقية الرافضة لمسودة القانون.

على جانب آخر دعا النائب (مرزوق الخليفة) لجنة الشؤون التشريعية والقانونية إلى الإسراع في إقرار الاقتراح بقانون بشأن الحقوق المدنية لفئة البدون، والمقدم من جمعية المحامين منذ ديسمبر الماضي، ويتعامل مشروع النظام الأساسي الذي قدمته جمعية المحامين مع مشكلة "البدون" على أنها مشكلة مقيمين لم يتم الاعتراف بجنسيتهم، ويسمح للبدون الذين أرغموا على الاعتراف بحمل جنسية غير كويتي، التي لا يحملونها فعلياً، بالعودة إلى وضعهم القانوني السابق. كما أنه يوفر إمكانية الحصول على التعليم والرعاية الصحية للأشخاص عديمي الجنسية حالياً، بدون شروط قاسية، ووفقا لمسودة القانون فإنه يلغي الجهاز المركزي الحالي تماماً.

وقال منتقدوا المسودة أن هذا القانون أيضا لا يقدم حلاً جذرياً أو شاملاً، فمن جانب؛ لا يحل مشكلة التجنيس بشكل كامل، ومن جانب آخر، يمنح جميع عديمي الجنسية إقامة دائمة ومعاملة متساوية مع المواطنين الكويتيين، دون تحديد كثير من المعايير للحالتين.

مؤخرا.. أعلن خمسة من النواب عن تقدمهم باقتراح بقانون في شأن الحقوق القانونية والمدنية لغير محددي الجنسية، ويقضي الاقتراح الذي تقدم به كل من النواب عدنان عبدالصمد وأحمد الحمد وخليل الصالح ومبارك الحجرف والصيفي الصيفي بمنح بطاقة مدنية صالحة لمدة خمس سنوات لكل البدون المسجلين، قابلة للتجديد وتحمل رقما مدنياً خاصاً به، وتعتمد في كافة وزارات الدولة والجهات الرسمية التابعة لها من دون الرجوع إلى أي جهة أخرى أثناء فترة سريانها، ويحق له بموجبها الحصول على المستندات التي تكفل حقوقه المدنية والقانونية ومنها على وجه الخصوص: الإقامة الدائمة بدولة الكويت، ومجانية العلاج في جميع تخصصاته ومتطلباته والدواء ورعاية المعاقين وذوي الاحتياجات الخاصة، ومجانية التعليم في جميع المراحل الدراسية إضافة إلى مراحل التعليم العالي وفقاً لنظم وقواعد القبول الخاصة بها، بالإضافة إلى حق إصدار الوثائق المختلفة.

ونصت المذكرة الإيضاحية للاقتراح على أن "هذه الفئة "البدون" قد تعرضت خلال العقدين الماضيين إلى صنوف من الضغط النفسي والملاحقة القانونية والتقييد الإداري حتى قطعت بهم سبل العيش الكريم، وحرموا من أغلب الحقوق المدنية والإنسانية الأساسية، الأمر الذي يتنافى مع أسس وتعاليم الدين الإسلامي وأبسط مبادئ حقوق الإنسان وتعهدات الاتفاقيات والمواثيق الدولية. ولقد ساهم التراخي الحكومي على مدى عقود طويلة من الزمن في عدم معالجة هذا الملف، والرهان على عامل الزمن دون رؤية واضحة وحلول واقعية مبنية على أسس قانونية سليمة، في استفحال هذه الظاهرة وتفاقم مشاكلها وتداخل تعقيداتها واختلاط أوراقها، فتحولت إلى عبء ثقيل على حساب سمعة الكويت ومكانتها الإعلامية ورصيدها العالمي إضافة إلى التبعات والنتائج التي قد تحملها هذه المشكلة في طياتها على مختلف الأصعدة سياسياً وأمنياً واجتماعياً في ظل استمرار وتفشي الجهل والأمية والمرض والبطالة في صفوف هذه الشريحة من جهة وتواصل الضغط النفسي وإجراءات التضييق والإكراه والتعسف التي تمارسها بعض أجهزة الدولة بحق هذه الفئة من جهة أخرى".

 

مقاربات حل الأزمة

في دراسته عن البدون، أرجع الباحث (فارس الوقيان) أسباب الانتشار الإعلامي والتفاعل الرسمي والشعبي والضغوط التي صاحبت قضية البدون إلى عدة أسباب أهمها:

1. بروز جيل من الشباب من فئة عديمي الجنسية منسجم مع ثورة الاتصالات الحديثة وقيم الحداثة والعولمة، ما دفعه تلقائياً إلى استخدام الإعلام الجديد في إيصال رسالته وصوته لمتخذي القرار ومؤسسات المجتمع المدني داخل وخارج الكويت.

2. مع إعطاء المرأة حق الترشح والتصويت عام 2006، أضيفت كتلة نسائية جديدة للمشهد من شريحة المتزوجات من عديمي الجنسية، ما أدى إلى محاولة استمالة أصواتهم من كل المرشحين بالانتخابات، عبر تبني قضاياهم ومعاناتهم.

أدى إهمال أوضاع فئة عديمي الجنسية، من قبل الدولة في البداية إلى تفاقم كبير في المشكلة، أقلها استغلال بعض المهاجرين الجدد لهذه الأوضاع وإعلانهم الانتساب إلى هذه الفئة للاستفادة من امتيازات كانت قد تمتعت بها ولاسيما في المرحلة الأولى لاستقلال الكويت، حيث اعترفت الدولة بوجودهم وشرعيتهم نظرا للأوضاع الاقتصادية والسياسية السائدة آنذاك.

فيما تكمن أحد أوجه أزمة البدون أنهم في التوصيف القانوني الدولي، لا يمكن وصفهم كلاجئين حيث يعرف اللاجئ بأنه: "أي شخص يوجد خارج البلد الذي يحمل جنسيته، وذلك لخوفه من التعرض للاضطهاد بسبب عرقه أو دينه أو جنسيته أو انتمائه إلى فئة معينة اجتماعية، أو بسبب آرائه السياسية، ولا يستطيع العودة إلى بلده أو لا يرغب في ذلك". ولأن عديمي الجنسية لا يحملون أي جنسية، ويعتبرون أن الدولة الذي يقيمون بها هي موطنهم الأصل، فإن وضعهم القانوني قد نشأ له توصيفاً جديداً لدى الأمم المتحدة تحت بند "عديم الجنسية" ويقدر عددهم حول العالم بين الخمسة والعشرة ملايين شخص، وعرفته بأنه: "الشخص الذي لا تعتبره أية دولة مواطنا فيها بمقتضى تشريعاتها".

وفق باحثين في علم الاجتماع السياسي، فإن تعقيد مسألة البدون في الكويت يأتي من كونها مشكلة مجتمعية طبقية، حيث يتشاركون إرثاً وهوية واحدة بالكويت، وهي وليست مسألة مذهبية أو عرقية أو دينية كما في دول أخرى، وقد شارك أفراد هذه الفئة عملية التنمية والدفاع والبناء والأمن وشكلوا شرائح اجتماعية بنيوية في هذه البلدان، واتخذت أوضاعهم شكلا من الاستقرار يصعب معه اجتثاثه بسهولة.

في النظام العالمي القديم، كان للدولة سيادة مطلقة لا يقيدها في ذلك إلا إرادتها، حيث لها حرية كاملة في تنظيم دخول الأجانب وخروجهم وتحديد إقامتهم على أرضها وكل ما يتعلق بمعاملة الأجنبي وحقوقه وواجباته في نطاق جغرافيتها. لكن وفقا النظام الدولي الحديث، فقد أُعتبرت سيادة الدولة مقيدة بما تفرضه قواعد القانون الدولي من التزامات تعلو على إرادة الدول، ليس من باب الوصاية والتدخل في شئونها، بقدر ما يدّعيه القانون من محاولة الموازنة بين مصالح الدول ومصالح الفرد. ومع ذلك، اعتبرت مسألة "السيادة القومية" دائماً كإشكالية حساسة، تميل معها الدول إلى حماية مصالحها وأمنها ونظامها الاجتماعي عند التعرض لمسألة الأجانب.

وقد أخذت هذه الأزمة طابعا حقوقياً متنامياً في المحافل الدولية، والتي وضعت دولة الكويت في حصار المواقف الدولية والمنظمات الدولية التي تستنهض كل إمكانياتها لمطالبة دولة الكويت بتجنيس هذه الفئة ومنحها حقوقها السياسية والاجتماعية ما يؤدي في النهاية لاهتزاز صورة الكويت في العالم، سياسيا وحقوقيا واجتماعياً.

وبينما يرى الرافضين والمتشددين لتجنيس البدون؛ المسألة من منظور هوياتي (الهوية الوطنية)، وأمني (السيادة)، و اقتصادي (العبء المادي). فقد رآها مؤيدوا الحل بالتجنيس الشامل؛ فرصة لمعالجة الخلل في التركيبة السكانية للدولة، وقطعاً للتدخل الأجنبي في شئون البلد، وإثراءً للحياة الاجتماعية وزيادة في قوتها العاملة.

إذاً.. يمكن تفنيد قلق البعض أو رفضه لتجنيس البدون من عدة زوايا هي:

1. أن حجم هذه الفئة كبير وفقا لعدد سكان الكويت من المواطنين، وبالتالي فإن دمجهم في المجتمع يشكل تهديدا كبيرا للتركيبة السكانية.

2. في المستوى الأمني فإن البدون يشكلون تهديدا أمنيا على الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية في الكويت، حيث ترتفع نسسبة الجريمة والمخدرات والأمية والبطالة بين صفوف هذه الشريحة الاجتماعية، كما أنه قد يسهل تحريض هذه الفئات ضد الدولة والمجتمع مع تفاقم أوضاعها السياسية. وذلك ينبع من خصوصية هذه الشريحة وانتماءاتها الوطنية السابقة، حيث يخشى البعض من وجود انتماءات وولاءات لغير الكويت لدى بعضهم.

3. من زاوية مجتمعية، يرى البعض أن هذه الفئة وافدة على المجتمع الكويتي وهي ليست من نسيجه الاجتماعي وليس لها حقوق المواطنة لأنهم دخلوا البلاد بصورة غير شرعية وأخفوا هوياتهم، وتنكروا لجنسياتهم الأصلية طمعاً في امتيازات العيش بالكويت، ومزاحمة المواطنين الأصليين في  حقهم الطبيعي في بالتمتع بخيراتها.

4. من الجانب الاقتصادي يعتبر منح الجنسية لهذه الفئة إرهاقاً لميزانية الدولة التي سوف تتكلف أموالاً باهظة في تعليمهم وإسكانهم، والامتيازات الأخرى التي تقدمها الدولة لمواطنيها الكويتيين، مثل القروض الإسكانية والعلاوات والرواتب التقاعدية والمنح المالية في الزواج والولادة والقروض البنكية وغيرها.

على الجانب الآخر، يرى البعض أن مزايا تجنيس البدون أكبر بكثير من المخاطر، ويمكن تلخيص زوايا نظرهم في التالي:

1. يمكن لعملية التجنيس ومنح حق المواطنة الكاملة، أن تقطع أو تخفف من التدخل الخارجي في شؤون البلاد ولاسيما بعض المنظمات التي تجد في هذه القضية ذريعة للضغط والتدخل المباشر في الشؤون الداخلية للدولة. كما ستمثل إنقاذا لمسعة الكويت ووقفا لحملا الإساءة لها في المحالف الدولية.

2. في مسألة التركيبة السكانية، فإن التجنيس سيساهم في حلها وليس العكس، حيث تعاني الكويت من خلل سكاني بسبب قلة عدد المواطنين بالمقارنة بالوافدين وأغلبهم من العمالة المختلفة مع فكر وعقيدة ولغة ونمط الدولة الكويتية، فيما يشكل أغلب البدون اندماجاً وانصهاراً مع قيم الدولة، ما يعني أن هذه  الفئة هي الأولى في المساهمة في بناء الكويت والانصهار في قطاع الأعمال والخدمات.

3. أن تجنيس البدون ومنحهم حق المواطنة، يؤكد الأمن الوطني ويعززه، حيث سيخفف من ارتفاع معدلات الجريمة والانحراف الناتجة عن الفقر والإحباط والأمراض، وستساهم عملية التجنيس والتوطين في إيجاد الحلول لكثير من المشكلات الناجمة عن التفكك الأسري والجريمة وزواج المرأة الكويتية من أحد البدون وغيرها من الإشكاليات.

4. ستؤدي عملية التجنيس إلى دفع حركة الحياة الاقتصادية والمالية إلى الأمام، لأنهم لا يعرفون غير الكويت وطنا لهم تدور فيه أموالهم ومصالحهم الاقتصادية، على عكس الوافدين الذين تشكّل مصالحهم المالية في التحويلات الخارجية.

5. أن كثير من عديمي الجنسية، قد أمضوا مدداً طويلة في المجتمع الكويتي وشاركوا في الكثير من الوظائف العامة، وشاركوا في الدفاع والأمن منذ عشرات السنين، مما يشكل دافعا لديهم للاستمرار في المشاركة الفاعلة والارتباط الهوياتي بالكويت، كما أن الأجيال الحالية قد نشأت وتربت داخل الكويت، ولم يسافر أو يرتبط بأي دولة أخرى.

 

بناءا على ما سبق من تفنيد لوجهات النظر وتاريخ تطور المشكلة المتعلقة بعديمي الجنسية، توصي الدراسة بما يلي:

• تشكيل لجنة من أعضاء البرلمان من أصحاب مقترحات القوانين الجديدة، بالإضافة إلى خبراء التشريع وممثلين من المجتمع المدني، لوضع تصور نهائي لحل المشكلة جذرياً.

• إشراك المنظمات الدولية المعنية بحقوق عديمي الجنسية، في تطورات عمل اللجنة وتلقي مقترحاتهم، للعمل على صياغة شاملة توازن بين سيادة الدولة وحقوق عديمي الجنسية الإنسانية، وإخضاع جميع الصياغات القانونية واللائحية المتعلقة بهم، إلى مراجعة لجان دستورية وقانونية وحقوقية مشتركة مع المنظمات الدولية لإبداء الرأي.

• تهيئة المناخ المجتمعي للحل الشامل، عبر تهدئة الأجواء الإعلامية ووقف التراشقات والتنابزات بين مكونات المجتمع الكويتي، سواء على الوسائل الاجتماعية أو وسائل التواصل لاجتماعي.

• الاستفادة من تجربة تركيا الاقتصادية والقانونية في احتضان اللاجئين السوريين الذين يقدر عددهم بأربعة ملايين شخص، دون الإضرار بالاقتصاد القومي للدولة، حيث توافقت مع المؤسسات الدولية المعنية لاستقبال التبرعات والمنح مركزيا بواسطة الحكومة، للتخفيف من الآثار الاقتصادية على الدولة التي تستضيف أكبر عدد من اللاجئين على مستوى العالم. ومنحت تركيا الجنسية التركية لعشرات الآلاف من السوريين من ذوي الشهادات العليا والكفاءات التي تقدر الاستفادة من خدماتهم مستقبلا، وحسنت من موقفها الدولي وبناء سمعتها الخارجية.

• تمكين البدون من الوصول إلى القضاء الكويتي، بما يسمح لهم بالطعن في القرارات التي تتخذها السلطات التنفيذية والإدارية، التي تؤثر على وضعهم القانوني أو معيشتهم، بما فيها القرارات المتعلقة بمطالبتهم بالجنسية الكويتية، الأمر الذي سيجعل كلمة القضاء ملزمة، وهو ما سيخفف العبء على أجهزة الدولة والضغوط الدولية عليها من منظمات المجتمع المدني، كما أنه سيعزز سيادة الدولة، عبر فرض السيطرة على كافة المقيمين والمواطنين وإلزامهم بالتقاضي أمام القضاء الرسمي والتعامل مع المؤسسات الرسمية بصورة قانونية وبأوراق ثبوتية، فقد أنشا "البدون" بسبب الأوضاع السابقة كيانات عرفية موازية لأجهزة الدولة، خوفا من اللجوء لأجهزة والمؤسسات الرسمية فيصعب حصولهم على حقوقهم، مثل: جلسات التحكيم العرفية، وشراء الوثائق المزورة، والعيادات الشعبية للتداوي وغيرها، بما سمح بمجتمعا موازياً أنشئ على غرار حقبة ما قبل الدولة الحديثة.

• اقتصادياً، يمكن الاستفادة من البدون في التنمية الصناعية، في إطار خطة الدولة لتنويع الاقتصاد الوطني وعدم الاعتماد على المورد النفطي بالكامل. يمكن في هذا الإطار إجراء عمليات توظيف مشروطة للبدون، والاستفادة من أيدي عاملة مدربة لم ترتبط بالوظائف الحكومية ولا تسعى لها، وبعضها عمل في الأعمال اليدوية والحرفية ولديهم بعض المهارات الأساسية.