الفساد كمهدد لجهود التنمية المستدامة

الفساد كمهدد لجهود التنمية المستدامة
الفساد كمهدد لجهود التنمية المستدامة
حجم الخط شارك طباعة

فريق منظار | منذ 2021/07/07 13:07:45

تمهيد

يشكل ​الفساد ​المتعارف​ عليه​ عالمياً ​بأنه ​"إساءة ​استخدام​ السلطة​ الممنوحة ​بغية ​تحقيق​ منافع ​شخصية"؛ واحدة من ​التهديدات المباشرة لعملية التنمية المستدامة، ​حتى ​بالنسبة ​للبلدان ​التي ​تنعم ​بالاستقرار​ أو وفرة ​الموارد​ مثل ​دولة ​الكويت، ​حيث يقف الفساد​ ​عائقاً​ أمام​ المنافسة​ العادلة​​​ وجذب​ الاستثمارات​ الأجنبية​ وتحقيق العدالة، وإرساء مناخ الثقة في مؤسسات الدولة، بالإضافة إلى إبطاء عملية​ التكامل ​مع ​الأسواق ​العالمية.

تقدمت الكويت بمركز واحد خليجياً في مؤشر الفساد الصادر من منظمة الشفافية الدولية لعام 2020، وتقدمت سبع مراكز دولياً ومركزين عربياً، وتبذل هيئة مكافحة الفساد في الكويت، جهودا حثيثة من أجل تحسين سمعة الكويت وترتيبها عالمياً إثر تفجر عدة أزمات متعلقة بالفساد الفترة الماضية.

وكان تقرير مؤشر النزاهة في منظومة الدفاع الحكومية لعام 2020، الذي شمل 36 دولة، قد أورد: أنه بالرغم من المخاطر العالية ومحدودية الرقابة على العديد من التعاقدات، فإن الهيئة العامة لمكافحة الفساد "نزاهة" تبذل بالتعاون مع وزارة الدفاع جهودا كبيرة في وضع سياسات تعزيز النزاهة ومكافحة الفساد في جهات الأمن والدفاع". فيما قسّم تقرير المنظمة المخاطر في الكويت إلى 5 أنواع، هي المخاطر السياسية والمالية والفردية والتشغيلية والشرائية، لافتاً إلى أن الكويت في المجمل لديها التزام في مجال مكافحة الفساد، لكن هناك سرية في البيانات والمعلومات تمنع الوصول إلى التقييم والتصنيف.

وفي أغسطس 2020، كشف تقرير لمركز كارنيجي الأمريكي، أن قضية الفساد في الكويت تحتل مرتبة متقدمة في الانتقادات الموجهة للمؤسسات والشركات بالدولة، حيث برزت كل من الواسطة والمحسوبية والتزوير والاختلاس كمظاهر أساسية للفساد. فيما ذكر تقرير صادر عن صندوق النقد الدولي في 2018، تحت عنوان "تعزيز النمو والشمول في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا" أن الكويتيين هم أكثر من ذكر الواسطة بين شعوب الخليج كشرط مسبق للحصول على وظيفة، فيما احتلوا المرتبة الثالثة في هذا المجال بين شعوب الشرق الأوسط. وأضاف التقرير أن "المحسوبيات" متوغّلة أيضاً في القطاع النفطي الحيوي في الكويت، وفي التوزيع غير القانوني للأراضي الزراعية التابعة للدولة.

قضايا فساد أساءت لسمعة الكويت

على مدار السنوات الخمس الماضية، تعرضت الكويت لاهتزاز صورتها الإعلامية العالمية، بسبب الانتقادات الدولية التي رافقت انتشار أخبار عن عدة قضايا فساد داخلية، بعضها يخص مسئولين بالحكومة، الأمر الذي أدى إلى تنامي التركيز الإعلامي والدولي على دولة الكويت، بالإضافة إلى تدقيقات منطمة الشفافية الدولية، وهو التركيز الذي صاحاب تراجع ترتيب الكويت في مؤشرات مكافحة الفساد على مدار أعوام عديدة، قبل أن يعاود الصعود العام الحالي بسبب الإجراءات التي أعلنتها الحكومة عبر هيئة مكافحة الفساد "نزاهة".

في السطور التالية، نستعرض أشهر قضايا الفساد خلال السنوات الخمس الماضية، والتي شكلت جزءًا من الصورة الذهنية عن دول الكويت لدى الخارج:

- في أبريل الماضي، أصدرت محكمة الاستئناف الكويتية، حكماً بالسجن لمدة 7 سنوات مع الشغل والنفاذ بحق النائب البنغالي محمد شهيد إسلام، واللواء مازن الجراح وكيل وزارة الداخلية المساعد لشؤون التعليم والتدريب، بتهمة الرشوة، وتعود فصول القضية إلى تورط نائب من بنجلاديش مع جهات رسمية في الكويت، باستقدام نحو 20 ألف عامل من بنجلاديش بعقود حكومية – خاصة عمال النظافة- ووجهت النيابة العامة للنائب البنغالي، تهمة الاتجار بالبشر، وقالت النيابة أنها اكتشفت أصول بنحو 16 مليون دولار في حساب المتهم

في السياق ذاته، دفعت هذه الحادثة الجهات الرسمية إلى فتح ملف "تجارة الإقامات" مرة أخرى، حيث  كشفت أزمة كورونا وعلمية الإغلاق الاقتصادي التي حدثت بسببها إلى ظهور أعداد كبيرة من المقيمين دون عمل أو مصدر دخل. وهو ما دفع السلطات إلى تتبع مسيرة وصول هذه العمالة إلى الكويت، وهو ما كشف وجود تجار إقامات من الكويت يقومون بجلب عمالة وافدة مقابل مبالغ مالية، ويفاجئ بعض الوافدين عند وصوله بعدم وجود فرصة عمل حقيقية. وأقر وزير الداخلية بوجود هذه الظاهرة ، حيث تنتشر شركات وهمية تجلب عمالة دون عمل من أجل الاستفادة من أموال الرسوم المحصلة منهم.

وكانت محكمة الجنايات قد أصدرت حكماً بالسجن سنتين لمدير شركة كويتي، وثلاثة شركاء مصريين، جلبوا عمالة وافدة بعقود وهمية مقابل مبالغ دفعها الضحايا، وتخلوا عنه فور وصولهم الكويت. وقال عدد منهم إنهم لم يستلموا مرتباتهم منذ عدة شهور، وبعضهم لم يجد عملا منذ وصوله إلى الكويت.

- في يوليو 2020، انفجرت فضيحة الشهادات المزورة للدراسات العليا، والتي حصل عليها مسؤولون وأكاديميون لتلقي الضوء على ملف الفساد بالكويت، وقد تم محاكمة أحد الوسطاء المتورطين في القضية بالسجن لأكثر من 63 عاماً في ثلاث قضايا تزوير. وقالت حيثيات الحكم أن المتهم حصل على 600 شهادة مزورة وباعها لعملاء بارزين مقابل ما بين 12 ألف دينار و 20 ألف دينار، وذكرت مصادر أخرى أن المتهم تمكن من الحصول على هذه الشهادات بالطرق الرسمية، وتم توثيقها بالطوابع الأصلية.

وكُشفت هذه العملية عندما عثرت الأجهزة الأمنية على شخصية بارزة اشترت شهادته "المصرية" من أحد الأشخاص ولكن الجامعة المصرية أكدت أنه ليس في سجلاتها، وعلى الفور تم فصل طالب دكتوراه يعمل في منصب رفيع بعد أن تبين أنه حصل على شهاداته من الوسيط المتهم، وتبين أن مكتباً في منطقة السالمية يبيع شهادات مزورة منذ 13 عامًا، وتضمنت قائمة المستفيدين أشخاصاً يشغلون مناصب عليا في بنوك وشركات، وقدرت أسعار الشهادات بين الجامعية ب 9200 دينار، وبرر بعض المتورطين في شرائها الأمر بأنهم لجأوا إلى تزوير وضعهم الوظيفي في القطاع الخاص للحصول على امتيازات إضافية من الدولة.

- في أغسطس 2020، نشرت الواشنطن بوست تقريرا مثيراً، عن مطالبة مستشفيات أمريكية للحكومة الأمركية بسداد 677 مليون دولار من الفواتير غير المسددة للرعاية الطبية المقدمة للمواطنين الكويتيين، وتوجهت عدد من المستشفيات إلى وزارة الخارجية الأمريكية والكونجرس لدفعهم للضغط على الحكومة الكويتية لسداد فواتير علاج مواطنيها. ويعود أصل الموضوع إلى تعمد ادعاء بعض المواطنين المرض للذهاب في رحلات سياحية إلى الخارج على نفقة الدولة، ووفقا لبعض التقارير الصحفية فقد أنفقت الدولة 3.5 مليارات دولار في عام 2018 فقط على معالجة مواطنيها في الخارج، وانتهى الأمر بعدد كبير منهم في المستشفيات الأميركية حيث لم تُسدَّد الرسوم التي يصل مجموعها إلى 677 مليون دولار، ما دفع وزارة الخارجية الأميركية والكونغرس إلى إصدار بيانات يطالبان فيها الكويت بسداد فواتيرها. وأظهر تقرير صادر عن وزارة الصحة، أن الشركات الأميركية تستحوذ على أكثر من 70% من ميزانية العلاج، فيما تتوزع الـ 30% على الشركات البريطانية والألمانية والفرنسية. حيث جاءت أعداد المرضى الذين تلقوا علاجهم على نفقة الدولة خلال العامين الماضيين بنحو 2500 مواطن ومواطنة في مستشفيات 6 دول هي: بريطانيا ومصر والولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا والأردن.

ووضعت الكويت مؤخرا لائحة وتعليمات جديدة تتعلق بسفر الكويتيين للعلاج في الخارج، من أهمها: أن لكل مريض مرافقاً واحداً بدلاً من اثنين أو ثلاثة، بدون مخصصات، حيث يحصل على تذكرة سفر فقط وعلى الدرجة السياحية، كما يجوز رفع الدرجة لأي سبب من الأسباب. وكان النائب العام الكويتي قد أحال إلى محكمة الجنايات في 2017 القضية المشهورة بـ "العلاج السياحي بالخارج" والتي تمت عبر تزوير الأوراق والسماح بسفر مرضى غير مستحقين بدلاً من المرضى الحقيقيين، والاستيلاء على المال العام وارتكاب جرائم التزوير في محررات رسمية.

- وفي مايو 2020، ضجت وسائل الإعلام العربية والغربية بقضية فساد كبرى اشتهرت باسم "الصندوق السيادي الماليزي" التي تورط فيها عدد من الكويتيين منهم نجل رئيس الوزراء السابق. وتعود فصول هذه القضية إلى عام 2018، عندما رفع أحد البنوك الكويتية بلاغاً إلى وحدة التحريات المالية على خلفية تحويل مصرفي بقيمة 17 مليون دينار قام به مواطن كويتي لصالح حساب مرتبط بقضية الصندوق الماليزي، في نفس الوقت الذي قدم أحد فروع البنوك الأجنبية العاملة في الكويت أربعة بلاغات تتعلق بتضخم حساب "صباح جابر المبارك" المصرفي مع تجاوز قيمته المليار دولار، وبالتوازي مع اعتقال سلطات ماليزيا رئيس الوزراء السابق نجيب عبد الرزاق على خلفية قضايا فساد كبيرة، تتمثل في سرقة أموال صندوق الثروة السيادي. وكان من بين أبرز شركاء عبد الرزاق في قضية السرقة رجل الأعمال (تايك جو لو) الذي صدرت بحقه مذكرات توقيف في أكثر من بلد، من ضمنها ماليزيا والولايات المتحدة، بإجمالي مبالغ مختلسة وصلت إلى أكثر من 680 مليون دولار، واستطاع زيارة الكويت مرتين والتنسيق مع المتهمين لإجراء عمليات استثمار وهمية كغطاء لعملية غسيل الأموال.

ونهاية مايو2020، أعلن أنس الصالح، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية إحالة بلاغ للنيابة العامة بشبهة تورط بعض السياسيين وجهات وشركات مقرها الكويت في عمليات غسل أموال لصالح شركات صينية وماليزية، في إطار قضية الفساد العالمية المعروفة بقضية الصندوق السيادي الماليزي. وكانت النيابة العامة قد جمدت حسابات المتهمين في يونيو 2020 بعد اشتباهها بمبالغ تتجاوز 1.8 مليار دولار دخلت حسابات المتهمين في الكويت، بلا تحديد لمصدر هذه الأموال.

- في ينويو 2020، أيدت محكمة الاستئناف الكويتية حبس رئيس مجلس إدارة شركة (رابطة الكويت والخليج للنقل)، سعيد دشتي ونائبته الروسية ماريا لازاريفا؛ 15 عاما لكل منهما في قضية اختلاس، مع تغريمهما مليوني دينار كويتي في القضية المعروفة بـ "اختلاسات الموانئ". وكانت الأجهزة الأمنية في الكويت قد ألقت القبض على المتهمين قبل خمسة أعوام، بعد أن تقدم وزير المواصلات السابق عيسى الكندري ببلاغ إلى النائب العام في 2015، حول صرف مبالغ مالية  بشكل مباشر من حساب الإيرادات لدى أحد البنوك تقدر بـ21 مليون دينار. وتولت "ماريا" منصب الشريك الإداري لصندوق رابطة الكويت والخليج للنقل، واعتقلت في عام 2017، وأدينت في مايو 2018 بتهمة اختلاس أموال من هذا الصندوق، كما اتهمت في قضية ثانية باختلاس الأموال التي استثمرتها دائرة موانئ الكويت في صندوق الموانئ الاستثماري.

وكانت الروسية ماريا لازاريفا، في 2017، قد طالبت الرئيس فلاديمير بوتين التدخل في قضيتها وحمايتها، فسمحت لها السلطات الكويتية بالإقامة في السفارة الروسية في الكويت، بعد أن وافق القضاء الكويتي على الإفراج عنها بكفالة 20 مليون دينار كويتي في حينها.

من جانبها، أكدت وزيرة المالية وزيرة الدولة للشؤون الاقتصادية بالوكالة في الكويت، مريم العقيل، في جلسة مجلس الأمة، يناير الماضي، أنها لا تزال تتباع أصداء قضية صندوق الموانئ، فيما أوضح وزير الدولة لشؤون الخدمات، مبارك الحريص، أن قضية صندوق الموانئ منظورة أمام القضاء، مؤكداً وجود متابعة حثيثة من الحكومة لتحصيل الأموال العامة. حيث أبدى عدد من النواب ملاحظات حول عدم إفصاح الحكومة عن التخارج الحقيقي من هذا الصندوق الذي يقدر رأسماله بمليار و800 مليون دولار، ولا تقل حصة الدولة فيه عن 520 مليون دولار، مطالبين بنهج حكومي جديد في التعاطي مع هذه الصناديق.

- قبل أسابيع قليلة، أوردت وسائل إعلام محلية أن النيابة العامة الكويتية أحالت إلى محكمة الجنايات ثمانية قضاة ومحاميين، وستة مسؤولين في محكمتي الكلية والاستئناف في وزارة العدل إلى محكمة الجنايات، وذلك لمحاكمتهم في قضية استغلال الوظيفة والرشوة والتزوير وغسيل الأموال. كما قالت المصادر الصحفية أن من بين المتهمين في القضية رجلي أعمال كويتيين وآخر إيراني، فيما يعرف بقضية "شبكة بنيدر” التي تخصّصت في غسيل الأموال بقيادة رجل أعمال إيراني مقيم في الكويت وضمت عدداً من الموظفين والمسؤولين الكويتيين. ورصدت الأجهزة الأمنية في الكويت المتهمين عدة أشهر عبر متابعة حساب على انستجرام لبيع الساعات الثمينة بالمزاد، والتي قادت إلى حساب آخر لبيع السيارات الفارهة، وتبين أن صاحب هذا الحساب الأخير على علاقة بمقيم إيراني يملك مكتبي سيارات وسفريات، وهو ما قاد الأمر إلى الكشف عن تردد الإيراني على محلات صرافة محددة لتحويل مبالغ كبيرة، فتحركت أجهزة الأمن وداهمت شاليهاً في منطقة بنيدر جنوب الكويت، يسكن به المتهم الرئيسي فؤاد صالحي، وهو وافد إيراني متزوج من مواطنة كويتية، ونتج عن المداهمة العثور على سيارات فارهة، ودراجات رباعية الدفع، وساعات ومجوهرات ثمينة، ومبالغ مالية بالعملة المحلية وغيرها، وعدد من كراتين الخمور، حسب بيان التحقيقات المنشور على وسائل الإعلام المحلية.

- عودة إلى الوراء قبل 4 سنوات، وفي نوفمبر 2017، انتشرت أخبار قضية فساد "صندوق الجيش"، عندما اتهم وزير الدفاع حينها "ناصر صباح الأحمد" مسؤولي الصندوق باختلاس نحو 800 مليون دولار، في الفترة التي كان فيها سلفه "خالد الجراح" وزيرا للدفاع، وهو ما تسبب بأزمة واتهامات كبيرة أدت إلى استقالة الحكومة عام 2019، وأصدر أمير الكويت قراراً أميرياً بإعفاء وزير الدفاع ووزير الداخلية عن منصبهما حتى تبت النيابة العامة في قضية صندوق الجيش، فيما نفى خالد الجراح الصباح كل الاتهامات الموجهة له.

وصندوق الجيش هو صندوق خصصت له وزارة الدفاع ميزانية سنوية تقدر بنحو 5 ملايين دينار سنويا، بهدف منح قروض ميسرة، وإقامة مناسبات اجتماعية لمنسوبي الوزارة، وبمرور الوقت جرى إنشاء صناديق خارجية تابعة لصندوق الجيش في بعض الدول المهمة كبريطانيا، لدعم عمل الصندوق من أجل تطوير العمل العسكري مع تلك الدول، ويعتبر وزير الدفاع هو المخول بصلاحيات لاصرف أو من يفوضه.

وكانت وزارة العدل الأمريكية قد رفعت سبع دعاوى تتعلق بمصادرة أملاك خاصة تعود كثير منها إلى خالد الجراح، اشتراها بالأموال المختلسة في الفترة بين 2009-2016. حيث تتهمه الوزارة بفتح حسابات بنكية في لندن، وتحويل نحو 100 مليون دولار لها من أموال صندوق الجيش. ما أدى إلى ظهور أمير البلاد الراحل الشيخ صباح الأحمد في خطاب مباشر، ليؤكد متابعته الشخصية لهذا الملف وتقديم المدانين إلى العدالة، فيما حظرت النيابة العامة في الكويت النشر في القضية بعد تداولها بأيام، بدعوى عدم التشويش على مسار التحقيقات بالقضية.

- أخيرا، كشفت وزارة الداخلية الكويتية أنه تم العثور على سيارات فارهة، ودراجات رباعية الدفع، ومجوهرات وساعات ثمينة، ومبالغ مالية، ومواد مسكرة، في مزرعة تعود لشبكة غسيل أموال، قالت إنها مرتبطة بعدد من "الانفلونسرز"، وهم مشاهير وسائل التواصل الاجتماعي الذي يتابعهم الملايين وفق التعريف المتداول. وذكرت صحف محلية أن عدد المشاهير الذين تم ضبطهم في قضية "غسيل المشاهير" وصل إلى 10 حتى الآن. وتعود فصول القضية إلى ملاحظة الأجهزة الأمنية حالة من تسابق مشاهير الكويت إلى  التفاخر والتباهي ببذخ حياتهم علانية، وهو ما أثار تساؤلات عن مصدر دخلهم، حيث أظهر بعضهم كميات كبيرة من المجوهرات والساعات الثمينة واليخوت والسيارات الفارهة وغيرها، ما أدى إلى تتبع الأمر حتى تم اكتشاف قضايا غسيل أموال وراء البعض.

استراتيجية الدولة لمكافحة الفساد

في عام 2016 صدر قانون رقم 2 بشأن إنشاء الهيئة العامة لمكافحة الفساد (نزاهة)، بعد موافقة مجلس الأمة عليه، وفي عام 2019، أطلقت الكويت استراتيجيتها الخمسية لمكافحة الفساد (2019- 2024) ​وترتكز​على​ أربعة محاور​ رئيسية، ويندرج​ ضمنها​ عدة معايير وأنشطة ومبادرات، وقالت الهيئة إن ​من ​شأن ​التنفيذ​ الناجح ​لهذه ​الاستراتيجية ​أن​ يساعد​ دولة​ الكويت​ على​ حشد​ مزيد​ من​ الموارد​ والطاقات​ المطلوبة​ لتحقيق​ رؤية​ (كويت​ جديدة​ 2035)، وأن يسمح​ لها​ بتحقيق​ درجة​ أعلى​ من​ الالتزام ​بأحكام ​اتفاقية ​الأمم ​المتحدة ​لمكافحة ​الفساد​ بما​ في​ ذلك​ ما​ يتعلق​ بالتدابير​ الوقائية،​ وتجريم​ الفساد​ وإنفاذ ​القانون،​ والتعاون ​الدولي،​ وإسترداد​ الموجودات ​المتحصلة​ عن​ الفساد، ​إضافة​ الى​ تحسين​ موقع​ دولة​ الكويت​ على​المؤشرات ​الدولية​ ذات​ الصلة،​ مما​ يؤدي ​الى​ ترسيخ​​ الدعائم ​التي ​تقوم عليها ​دولة​ الكويت​ ويمكنّها ​من​ تعزيز ​دورها​ على​ الساحتين ​الإقليمية​ والعالمية، ​وتوفير​المناخ ​المناسب​ للشعب الكويتي​ كي​ يمضي​ قدماً​ بثقة​ نحو​ مستقبل​ أكثر​ إزدهارا ​واستدامة، حسب البيان التأسيسي للهيئة.

وجاءت الأهداف الاستراتيجية كالتالي:

١- حماية ​نزاهة ​القطاع​ العام​ وتطوير​ فعالية​ وكفاءة​ الخدمات​ العامة​ التي​ يقدمها ​في ​إطار ​​من ​الشفافية​ والمساءلة؛ ويندرج تحت هذا الهدف عدة أولويات مثل: الشفافية ​في ​إدارة ​الأموال​ والشؤون ​العامة، وتنظيم التعيين ​والترقية ​في ​القطاع ​العام، والنزاهة​ في ​أداء​ الوظيفة ​العامة​، والمساءلة ​في ​القطاع​ العام​، وفعالية ​وكفاءة ​تقديم​ الخدمات​ العامة.

٢- تشجيع​ القطاع​ الخاص​ على ​المساهمة ​في​ تعزيز​النزاهة​ ومكافحة​ الفساد؛ ويندرج تحت هذا الهدف عدة أولويات مثل: النزاهة​ والمســـــــاءلة ​في​ القطاع​ الخاص، ودور ​القطاع​ الخاص ​في ​كشف​ الفساد.

٣- تمكين​ المجتمع​ من ​المساهمة ​في ​بناء​ ثقافة​ حاضنة ​للنزاهة​ ضد​ الفساد؛ ويندرج تحت هذا الهدف عدة أولويات مثل: التوعية ​العامة عن الفساد ومخاطره، ودور ​التربية​ والتعليم في ترسيخ ثقافة النزاهة، والتعاون​ مع ​المجتمع ​المدني​ ووسائل ​الإعلام.

٤- تعزيز​ كفاءة​ وفعالية​ الهيئات​ المتخصصة​ بتعزيز​ النزاهة​ ومكافحة ​الفساد؛ ويندرج تحت هذا الهدف عدة أولويات مثل: تنمية ​القدرات​ على تتبع الفساد واتخاذ الاجراءات، وحماية​ المبلغين​ عن ​الفساد​​، والتنسيق ​والتعاون​ بين الهيئات المتخصصة في الدولة.

كانت الهيئة قد ذكرت في تقريرها السنوي، أنها حققت بعض الانجازات في ملف تحجيم الفساد ووضع أطر مناسبة لمراقبته، مثل:

- تفعيـل نمـاذج العقـود الموحـدة والمعـدة مـن قبـل الجهـاز المركـزي للمناقصـات العامة والخاصة بعقـود التوريدات والمقاولات .

- إنذار المتأخرين عن تقديم إقرارات ذممهم المالية، وإحالات المتأخرين أو الممتنعين عن تقديم إقرار الذمة المالية إلى النيابة العامة.

- مراجعة جملـة مـن التشـريعات والقوانـين واللوائـح ومشـاريعها التـي أحيلـت اليهـا لإبـداء الـرأي القانونـي بشـأنها، مثل: مشـروع قانـون تعديـل القانـون رقـم 88 لسـنة 1995 فـي شـأن محاكمـة الوزراء، والمقترح الخاص بتعديل قانون المناقصات العامة، وإعداد مقترح بتعديل نص المادة رقم 15 من اللائحة التنفيذية للقانون رقم 2 لسنة 2016، ومشروع قانون الجهاز العام للحوكمة، ومشروع قانون تعارض المصالح، ومشروع قانون حق الإطلاع.

- تعديلات على قانون الجزاء لمعالجة الملاحظات الدولية، لكل من القوانين التالية:

* رشوة الموظف الأجنبي.

* الرشوة في القطاع الخاص.

* مسؤولية الشخص الاعتباري في جرائم الفساد.

- متابعة أعمال المشـاريع الانشـائية الحيوية المدرجة بالخطة التنموية للدولة، ومنها: أعمـال مشـروع مبنـى الـركاب 2 بمطـار الكويـت الدولـي، بالتنسـيق مـع وزارة الاشـغال العامـة، وذلـك بتزويـد الهيئـة بتقاريـر ربـع سـنوية تتضمـن المعلومـات الخاصـة، ونسـب الإنجـاز، والأعمـال التنفيذيـة ذات الصلـة بالمشـروع.

- قامـت الهيئـة بإجـراء 23 ضبطية قضائيـة منهم: 7 ضبطيات في وزارة الداخلية، و3 في وزارة الصحة، و2 في الادارة العامة للطيران المدني، و2 في الهيئة العامة للطرق والكباري، وضبطية واحدة في كل من: ديوان الخدمة المدنية والهيئة العامة للتعليم التطبيقي ووكالة الأنباء الكويتية.

- تلقت الهيئة 118 بلاغاً خول الفساد أحالت 16 منها للنيابة العامة، فيما بلغ عدد الإقرارات المقدمة للهيئة، 16615 إقرار خلال العام الأخير.

الكويت في المؤشرات العالمية للفساد:

تصدر منظمة الشفافية الدولية مؤشر مدركات الفساد، سنوياً، ويصنف مؤشر 2020 درجات ومراتب 180 دولة استناداً إلى مدى فساد القطاع العام في الدول، حيث يقيس المؤشر كل من: الرشوة واستخدام الأموال العامة لأغراض غير مشروعة، والواسطة والمحسوبية، والفساد السياسي، وآليات الحكومات لضبط النزاهة، ومدى قوة السلطات القضائية في ملاحقة المتورطين، واستغلال المسؤولين للمناصب العامة لتحقيق منافع خاصة، ومدى قوة القوانين بشأن الإفصاح عن الممتلكات، ومدى حماية المبلغين عن الفساد قانونياً.

وحصلت الكويت في أحدث مؤشر على درجة 42، لتأتي في الترتيب 78 دوليا، و7 عربيا و5 خليجيا، ويظهر الجدول التالي تطور ترتيب الكويت في المؤشر خلال السنوات الماضية:

فيما تحسن ترتيب الكويت خليجياً بمقدار مركز واحد لعام 2020 مقارنة بالعام السابق له، ويوضح الجدول المرفق مقارنة بين الدول العربية في ترتيبها على مؤشر الفساد العالمي:

خارطة طريق نحو سد ثغرات الفساد

بينما أشاد المراقبين بجهود الحكومة تجاه تتبع الفساد، معتبرين أن التحقيق مع وزراء ومسئولين وأعضاء في العائلة الحاكمة في بعض القضايا المثارة؛ مؤشرا على الجدية في مكافحة الفساد، ومؤشراً هاماً على سلوك الدولة مرحلة من الحزم ضد ظاهرة الفساد دون استثناءات. إلا أن بعض الخبراء الدوليين يروْن أن مسار تتبع الفساد ومعاقبة مرتكبيه ليس سوى علاج مؤقت لأمراض كامنة في المؤسسات والنظم اللائحية المنظمة لها، وأن قطع خطوط الإمداد وسد الثغرات التي يلج منها الفساد هو الأهم والأكثر تأثيرا على المدى الطويل، خاصة وأن انتشار الفساد يشكّل عائقاً​ كبيراً أمام​ جذب​ الاستثمارات​ الأجنبية​ وتحقيق العدالة الداخلية، وتقوية أجهزة ومؤسسات الدولة وإشاعة مناخ الثقة، وهي الأمور التي هزت صورة الكويت عالمياً خلال السنوات الماضية.. في تقريرها الأخير، أوصت منظمة الشفافية الدولية، باتباع نهج أكثر عمقاً في طريقها نحو تحجيم الفساد، خاصة في الدول التي نالت درجة أقل من المتوسط العالمي، حيث اقترحت التوصيات التالية:

١- تعزيز دور الأجهزة الرقابية للحفاظ على المال العام وضمان وصول الموارد لمن هم في أمس الحاجة إليها، وكذلك استقلالية مؤسسات مكافحة الفساد حتى تتمكن من أداء واجباتها.

٢- شفافية التعاقدات العامة وعدالتها، بضمان وجود معاملات تعاقد شفافة للحد من ارتكاب المخالفات وقضايا الفساد المرتبطة بالمشتريات، وللحد من تعارض المصالح، وضمان التسعير العادل.

٣- تعزيز الديمقراطية ومساءلة الحكومة، بتعزيز فضاء مدني لخلق الظروف المواتية لمساءلة الحكومة، حيث أدت ظروف جائحة كورونا إلى بعض التراجع الديمقراطي بالدول المختلفة، وتم تعليق برلمانات العالم، والتخلي عن آليات المساءلة العامة، والتحريض ضد المعارضين في دول أخرى.

٤- شفافية المعلومات، بنشر البيانات ذات الصلة، وضمان الوصول غير المقيد للمعلومات للجمهور في الوقت المناسب.

٥- مكافحة الواسطة والمحسوبية والمعاملات التفضيلية، لنفي التحيز وسوء استغلال العلاقات الشخصية لتحقيق المنافع الخاصة.

٦- ضبط تعارض المصالح، للوقاية من تأثيراته الضارة على المال العام.

٧- وقف الرشاوى، بإعطاء الأولوية لمكافحة الرشاوى ووضع المزيد من التدابير المضادة، نظرا لعلاقتها الوثيقة بالتنمية المستدامة.

وعلى المستوى الكويتي، جاءت التوصيات شاملة على نحو يغطي كافة الثغرات التي يتسلل منه الفساد سواء قانونيا أو مجتمعيا أو رقابيا، مثل:

١- إعادة أصدار قانون تعارض المصالح.

٢- إصدار اللائحة الداخلية لقانون حق الاطلاع على المعلومات.

٣- إصدار قانون التعيين في الوظائف القيادية، وتطبيق مبدئي الجدارة والكفاءة في التعيينات والترقيات.

٤- تطوير تطبيقات الحكومة الالكترونية وزيادة خدماتها ونشر آليات نقديم الخدمات العامة، وتبسيط الاجراءات والقضاء على البيروقراطية في المعاملات الحكومية، وتقليص الدورة المستندية.

٥- تعزيز تطبيقات الحوكمة ونظم إدارة المخاطر في القطاع العام، وإصدار قانون الجهاز العام للحوكمة.

٦- إنفاذ القانون على الجميع بعدالة، دون مجاملة لإرساء دعائم العدل والإنصاف.

٧- تفعيل المساءلة وخاصة فيما تسفر عنه التقارير الرقابية، وسرعة البت في قضايا الفساد الإداري وانتهاكات المال العام لدى النيابة العامة والقضاء.

٨- دعم مؤسسات المجتمع المدني المعنية بمكافحة الفساد، وإشراكها في برامج ومشاريع مكافحة الفساد وتعزيز دور الصحافة والإعلام على الصعيد المؤسسي والفردي، وتشجيع المواطنين على الإبلاغ عن الفساد.

٩- تطوير المشاركة الديمقراطية الكويتية، مثل إقرار اقتراح قانون الهيئة العامة للديمقراطية الذي ينظم الإنفاق الانتخابي والمال السياسي وإدارة العملية الانتخابية.

١٠-  تعزيز نزاهة العمل البرلماني من خلال إصدار قانون شفافية مجلس الأمة ونزاهته، الذي يعزز شفافية البرلمان ويكفل نزاهة العمل البرلماني.

١١- مراجعة وتطوير الأنظمة المالية في الدولة وحسن اختيار المسئولين، ودفعهم للالتزام باللوائح والاجراءات المنظمة لدى كل من الجهاز المركزي للمناقصات العامة، وأي جهة مفوضة بإجراء التعاقدات والمشتريات وإدارة المخازن.

١٢- انضمام الكويت إلى عدد من المبادرات المعنية بالشفافية، مثل مبادرة شراكة الحكومة المفتوحة OGP ولتعزيز انفتاح العمل الحكومي، ومبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية EITI للقطاع النفطي.