كويت ما بعد كورونا (1) الاقتصاد الكويتي وتحديات التعافي

كويت مابعد كورونا
كويت مابعد كورونا
حجم الخط شارك طباعة

فريق منظار | منذ 2021/09/18 21:09:10

كانت الكويت من أوائل الدول التي سجّلت إصابات بفيروس كورونا في منطقة الخليج في فبراير 2020، نظراً إلى قربها الجغرافي من إيران التي شكلت بؤرة للوباء في منطقة "المينا" الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. واتخذت الحكومة الكويتية اجراءات سريعة لتحجيم انتشار الفيروس واحتواء المرض، مثل إعلاق الحدود ووقف رحلات الطيران وفرض حظر التجول الكلي والجزئي، ومنع التجمعات، وتوسيع الفحوصات، بالإضافة إلى خطة دعم تعافي الاقتصاد والاستجابة لتأثير الجائحة على قطاعات العمل المختلفة.

وتوقعت وكالة "موديز" لللتصنيف الإئتماني أن الكويت ستحتاج إلى 90 مليار دولار حتى عام 2024 لتلبية احتياجات التمويل. فيما يقدر صندوق النقد الدولي نمو نسبة الدين إلى أكثر من 74٪ من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2025، وكانت الوكالة قد صنفت الكويت في سبتمبر 2020 عند مستوى A1 مع نظرة مستقبلية مستقرة، حيث كانت الوكالة قد خفضت في مارس 2020 التصنيف بمقدار درجتين، بسبب الخلاف حول استراتيجية التمويل متوسط ​​الأجل للبلاد والاستجابة المحدودة لتراجع عائدات النفط، فيما عدلت وكالة "فيتش" تصنيفها طويل الأجل للكويت من مستقر إلى سلبي وبررت ذلك بضبابية الرؤية الاقتصادية وعدم التوافق حول آلية خفض العجز وزيادة القيود المالية.

وفي أبريل الماضي أظهر تقرير اقتصادي لبنك الكويت الوطني، تراجع اقتصاد الكويت بنسبة 8 % على أساس سنوي، في 2020، في أسوأ انكماش منذ الأزمة المالية العالمية، بضغط جائحة كورونا وانخفاض أسعار النفط.

وحسب التقرير، فقد أثر الانكماش الاقتصادي على إغلاق الشركات وخفض مستويات التوظيف وتوقف المشاريع، ما أدي إلى تزايد الضغوط على الإيرادات وسط انخفاض حاد في أسعار النفط. ورصد التقرير أن سياسات الدعم الحكومي لاحتواء تداعيات الجائحة، خاصة تلك الموجهة للشركات الصغيرة والمتوسطة، كانت محدودة، إذ تمحورت بصفة رئيسية حول سداد الديون. فيما أدت الصدمة المزدوجة، الناجمة عن تفشي "كورونا وتراجع أسعار النفط، إلى تسجيل سادس عجز مالي قياسي بقيمة 8.9 مليارات دينار خلال العام المالي الماضي. على جانب آخر، أشار التقرير إلى أن معنويات المستهلكين أكثر تفاؤلا، وساهم الطلب المكبوت في تعزيز الإنفاق الاستهلاكي بنمو بلغت نسبته 20 بالمئة على أساس سنوي في فبراير الماضي. ورجّح التقرير بأن يتعافى القطاع غير النفطي في الكويت بنسبة 4% العام الجاري، ثم بنحو 2.5% خلال 2022.

في السياق نفسه، قال صندوق النقد الدولي إن الكويت لا تزال تواجه تحديات اقتصادية كبيرة بسبب وباء كورونا، داعياً الحكومة الكويتية إلى ضرورة أن تبقى مكافحة الوباء والتخفيف من آثاره في أولوياتها حتى يتم التعافي نهائيا، خصوصا دعم الفئات الأكثر ضعفا. وقالت بعثة الصندوق في بيان لها، إن الكويت بحاجة إلى ضبط مالي قوي وإصلاحات هيكلية، للحفاظ على الهوامش المالية الوقائية وتعزيز النمو الاقتصادي. ويتوقع الصندوق أن يرتفع الدين الإقليمي للمنطقة بحلول عام 2025 إلى 1.5 تريليون دولار. كما ستكون هذه الزيادة في الكويت الأكثر تأثيراً، حيث ستنتقل من نسبة 12٪ من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2019 إلى نسبة بين 70 الى 91٪ في عام 2025.

وفي ديسمبر 2020، قال تقرير لإدارة الاقتصاد الكلي التابعة لمجلس الوزراء الكويتي أن إجمالي خسائر الكويت من جائحة كورونا بلغ 33 مليار دولار، فيما كشف عن إجراءات تم اعتمادها لمواجهة الأزمة المتنامية، بحيث تركز على إجراءات تقشفية تخفض من تكاليف الدعم وتزيد من الإيرادات الضريبية.

وأضاف التقرير أن توقف الأعمال لمدة ثلاثة أشهر بعد تفشي فيروس كورونا، كبّد الاقتصاد خسائر لم تشهدها الكويت منذ الغزو العراقي، كما تراجعت الإيرادات الحكومية في ظل التوقف عن تحصيل الرسوم المالية، فضلا عن قرار وقف تحصيل الأقساط الحكومية. وكشف التقرير عن تراجع الإيرادات النفطية بنسبة 40 في المائة، حيث بلغت ما يقرب من 37 مليار دولار خلال العام الحالي، بالمقارنة مع 62 مليار دولار خلال عام 2019.

ولا تزال الكويت تعتمد على المنتج النفطي كأساس لإيرادات الدولة، والذي يممثل 86% على الأقل من إجمالي عائدات صادرات البلاد. وهو الأمر الذي يشكّل تحديا دائماً للحكومة في إطار خطتها للتنويع الاقتصادي وزيادة دور القطاع الخاص وتنويع الصادرات غير النفطية لعمل توازن في ميزان الإيرادات. وحسب تقديرات صندوق النقد الدولي فإن منحى نمو إيرادات الاستثمارات غير النفطية سيتراجع من 14.2% في 2019 الى 12.4% في 2025.

على التوازي؛ كانت جائحة كورونا بمثابة زلزالاً كبيراً للقطاع الخاص في دول الخليج والكويت خاصة، ومثّل بطء نمو أنشطة القطاع غير النفطي في 2020 دلالة على الخسائر التي مني بها القطاع الخاص والشركات بشكل خاص جراء القيود والإغلاق التي فرضتها الجائحة، وهو دليل على ضعف نسبة استجابة قطاع الشركات والاستثمار الخاص للطوارئ والكوارث رغم إجراءات كثيرة اتخذت لدعم هذا القطاع بعد الأزمة المالية العالمية.

اتبعت الكويت برامج الإصلاح الاقتصادي والمالي عدة سياسات ومبادرات لتحفيز الاقتصاد وتخفيف آثار الأزمة على القطاع الخاص من أجل دفع عملية التنويع الاقتصادي، وتعزيز مساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد، والمساعدة في السيطرة على العجز، إلا أن إنجاز هذه المبادرات الحكومية بدا أنه سيحتاج إلى وقت أكبر من المتوقع، خاصة في ظل الحديث عن موجات جديدة من الفيروس المتحور، واحتمالية الإغلاق الجزئي مرة أخرى في مواسم الشتاء.

كان مجلس الوزراء الكويتي قد وافق على حزمة دعم مالي استجابة لأزمة كورونا بقيمة إجمالية 1.6 مليار دولار، تركز على حماية أجور القطاع العام، وخصص منحة بقيمة 780 مليون دولار، في يوليو 2020، لدعم 77 ألف كويتي يعملون في القطاع الخاص، وخفّض بنك الكويت المركزي أسعار الفائدة ثلاث مرات للمساعدة في الاقتراض، لكن بعض المراقبين اعتبر أن الحوافز الحكومية لم تقدم قروضًا كبيرة للشركات الصغيرة والمتوسطة كما تم الإعلان عنها في الأصل لأن القروض كانت ذات شروط شديدة وصارمة.

تعتقد دراسات البنك الدولي أن احتمالات سحب الحكومة من صندوق الأجيال القادمة لتمويل العجز المتضخم، سيؤدي إلى نفاذ سيولة الأصول المتاحة للصندوق السيادي في أقل من عامين في حال عدم اللجوء إلى مصادر التمويل الأخرى. فيما تظل أزمة التوافق بين الحكومة ومجلس الأمة عاملا مهما في إبطاء أي برامج طموحة لدفع عجلة الاقتصاد وإصلاح البنية التشريعية لزيادة الاستثمارات. وواجهت البدائل الحكومية لتوفير السيولة رفضا تشريعياً داخل البرلمان الكويتي، سواء لقانون إقرار الدين العام المتوقف عن العمل به منذ 2017، أو تسييل أصول لدى الصندوق السيادي، والذي يبلغ حجمه حوالي 560 مليار دولار.

فيما قال تقرير ممارسة الأعمال لعام 2020 الصادر عن البنك الدولي أيضاً، أن العوامل التي تحد من نمو المؤسسات الخاصة الصغيرة والمتوسطة في الكويت تشمل استمرار الدور المهيمن للدولة في الاقتصاد، وبطء اتخاذ القرار بشأن منح العقود الكبيرة، وصعوبة التنافس مع كبار المؤسسات المحلية الراسخة بعمق في العديد من القطاعات.

وتوقعت دراسة لمركز الخليج العربي للدراسات والبحوث حول تقييم قدرة استجابة القطاع الخاص الكويتي للأزمة المزدوجة التي تمر بها الكويت، أن تتراجع قدرة نحو 40% من الشركات الكبرى والمتوسطة والصغيرة الكويتية والأجنبية على رفع قدرة التوظيف في المستقبل القريب بسبب اختلالات مالية واشكاليات إدارية عمقها الانكشاف المباشر المتفاوت على تداعيات الوباء والتي أضرت قرارات الإغلاق المترتبة عنها مستويات التجارة ونموذج تطوير أعمال شريحة واسعة من الشركات. وخلصت الدراسة الى أن محاولات تسييس الإصلاح في القطاعين العام والخاص يؤدي الى تضاعف كلفة تأهيلهما وفق المتطلبات الجديدة التي تفرضها مرحلة ما بعد الوباء.

ويعتقد الخبراء أن هذه المخاوف الاقتصادية جراء تأثيرات كورونا قد تدفع طالبي الوظائف من الكويتيين إلى الإصرار على التوجه الى القطاع الحكومي حيث الأمان الوظيفي والمنح ومرونة العمل مقارنة بالعمل في القطاع الخاص الذي تأثر جذريا بالجائحة، وهو ما سيمثّل تحديا هائلا أمام الحكومة التي تأمل في تخفيض أعداد القطاع الحكومي لا زيادته.