العلاقات الكويتية الإماراتية: الفرص والتحديات

العلاقات الكويتية الإماراتية: الفرص والتحديات
العلاقات الكويتية الإماراتية: الفرص والتحديات
حجم الخط شارك طباعة

قسم الدراسات | منذ 2021/06/13 15:06:34

 

تمهيد

رغم أن العلاقات الثنائية بين كل من دولة الكويت ودولة الإمارات قديمة منذ الخمسينيات، إلا أن هذه العلاقة شهدت أكبر طفراتها عام 2005 مع الزيارة الأولى للشيخ خليفة بن زايد آل نهيان إلى دولة الكويت بعد توليه زمام الحكم، بالإمارات، ومنحت هذه الزيارة العلاقات الثنائية بين البلدين قوة وزخما كبيرين.

تاريخياً، كان للكويت إسهامات كبيرة في ترسيخ علاقاتها مع الإمارات المتحدة، حيث كان للكويت إسهامات كبيرة في تقديم الخدمات التعليمية والصحية والإعلامية لإمارات الخليج قبل حصولها على الاستقلال. في عام 1955 بدأت البعثة التعليمية الكويتية عملها في الإمارات، بإنشاء العديد من المدارس وتجهيزها ودعمها بالكتب والأدوات المدرسية للطلاب، وفي عام 1962 وصلت البعثة الطبية الكويتية إلى الإمارات، وباشرت بإنشاء العديد من المراكز والمستشفيات، ومنها مستشفى الكويت بدبي ومستشفى للأمراض الصدرية والذي تم افتتاحهم عام 1966، بمنطقة أم سقيم بدبي، ومستوصف للأمراض الصدرية في منطقة بر دبي عام 1976، ومستوصف الشارقة الذي افتتح في 1969، ومستوصفان في عجمان وأم القيوين افتتحا في عام 1963م، ومستشفى الكويتي برأس الخيمة في العام 1963م إلى جانب مستشفيات وعيادات تخصصية في الفجيرة وخورفكان.

إعلاميا، عملت الكويت على إنشاء محطة إرسال تلفزيوني في إمارة دبي، بدأ العمل بها عام 1969، وأطلق على المحطة (تلفزيون الكويت من دبي).

فيما فتحت الجامعات الخاصة في الإمارات أبوابها أمام الطلاب الكويتيين، الذين وجدوا فيها بديلاً مناسباً عن جامعات أوروبا وأمريكا، وتشهد أعدادهم في الجامعات الخاصة في الدولة تزايداً مستمراً، وكذلك الطلاب الإماراتيين بالجامعات الكويتية.

بعد الزيارة التاريخية لرئيس دولة الإمارات في 2005، وقعت الدولتان اتفاقية إنشاء اللجنة المشتركة للتعاون الثنائي في عام 2006 في الكويت، وعقد أول اجتماع للجنة في العاصمة الإماراتية أبوظبي في مارس 2008، وترأسه الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، وزير الخارجية والتعاون الدولي، ومن الجانب الكويتي نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية آنذاك الشيخ محمد صباح السالم الصباح.

في يونيو 2013، عقدت اللجنة العليا المشتركة دورتها الثانية، وتم خلالها التوقيع على برامج واتفاقيات عدة، منها: البرنامج التفعيلي في مجال البيئة لعام 2014، والبرنامج التنفيذي للاتفاق الثقافي والفني بين البلدين، وبرنامج تعاون بين وزارتي خارجية البلدين في مجال التدريب الدبلوماسي والبحوث، بالإضافة إلى توقيع بروتوكول تعاون مشترك بين غرفة تجارة وصناعة الكويت، واتحاد غرف التجارة والصناعة في الإمارات.

وفي نهاية 2014، عقدت الدورة الثالثة للجنة العليا المشتركة بمقر وزارة الخارجية في دولة الإمارات، وتم في خلالها التوقيع على مذكرة تعاون بين هيئة الأوراق المالية والسلع في البلدين، ومذكرة تفاهم للتعاون الصناعي، ومذكرة تفاهم للتعاون في مجال النفط والغاز والبتروكيماويات ومصادر الطاقات الجديدة والمتجددة، وبرنامج تنفيذي للتعاون في مجال المكتبات والثقافة والفنون بين هيئة أبوظبي للثقافة والمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في دولة الكويت.

في حديثه خلال الاحتفالية الافتراضية التي نظمتها القنصلية الكويتية في دبي بمناسبة احتفالات الإمارات بعيدها الوطني الـ49 العام الماضي، أكد القنصل العام للقنصلية العامة للكويت في إمارة دبي "ذياب الرشيدي" أن العلاقات الكويتية الإماراتية متشعبة وتشمل كل أوجه التعاون وتجلت بوضوح من خلال عدد الاتفاقيات الموقعة بين البلدين والتي بلغت 33 اتفاقية منذ عام 1972 وحتى الآن، في حين بلغ عدد مذكرات التفاهم والبرامج التنفيذية 4 مشاريع خلال الفترة ذاتها، لتعزيز التاريخ المشترك.

محطة تاريخية في العلاقة الثنائية

تقع الإمارات في في الجنوب الشرقي من الكويت، وتتشارك معها حدودا بحرية ومع كل من كل قطر والبحرين وإيران والسعودية. وتتشارك الدولتان في مميزات إنتاج النفط، وهما عضوان بمنظمة أوبك، وكذلك مجلس التعاون الخليجي، وترسخت العلاقات بين الدولتين على مر الزمان رغم اتباع كلا القياديتين السياستين نهجا مختلفا في إدارة ملفات السياسة الخارجية، لكن الملفات الاقتصادية والاستراتيجية بينهما كانت حاضرة دائماً وتدفع العلاقة إلى التقدم.

كان الغزو العراقي للكويت، أحد المحطات الهامة التي تجلت فيها أهمية البلدين لبعضهما، شاركت القوات المسلحة لدولة الإمارات في عملية تحرير الكويت، ضمـن قوات التحالف الدولي بقيادة المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأميركية في كل مراحلها، بداية من عملية "درع الصحراء"، وعملية "عاصفة الصحراء"، والتي تقدمت فيها القوات الإماراتية في 24 فبراير عام 1991 داخل أراضي دولة الكويت، وكانت أول من دخل مدينة الكويت من قوات درع الجزيرة، وانتهاءً بعملية "وداعاً أيتها الصحراء". واستشهد من القوات الإماراتية خلال هذه العمليات 8 جنود، بالإضافة إلى 21 جريحا. وكانت سفارة دولة الإمارات هي أول سفارة تم رفع العلم عليها بعد التحرير.

منذ ذلك الحين والتعاون العسكري والأمني لم يتوقف بين البلدين، وفي يناير 2020، شاركت القوات الكويتية في التمرين التعبوي المشترك للأجهزة الأمنية بدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية (أمن الخليج العربي الثانية)، وتهدف المناورات إلى رفع مستوى التعاون وتنسيق العمليات المشتركة بين الفرق والقوات المشاركة والتعامل مع الأزمات والطوارئ، كما يساهم في تبادل الخبرات في مجالات الاعداد والتخطيط والتنفيذ المشترك. وكان مناورة (أمن الخليج العربي الأولى) استضافته مملكة البحرين في أكتوبر 2016.

العلاقات الاقتصادية بين البلدين

ساهمت الاتفاقيات ومذكرات التفاهم الاقتصادية والتجارية بين البلدين في زيادة حجم الاستثمارات والتبادل التجاري بينهما إلى مستويات متصاعدة سنوياً. شهدت العشر سنوات الأولى من إنشاء اللجنة المشتركة بين البلدين قفزة كبيرة في التبادل التجاري غير النفطي بنسبة 245% ليصل إلى أكثر من7 مليار دولار، وفي عام 2018 بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين في عام واحد فقط 3.63 مليار دولار، لتحتل الإمارات المرتبة الأولى عربيا والثانية عالميا بعد الصين كأكبر مصدّر للسلع لدولة الكويت خلال تلك الفترة،.

وتشير بيانات شركات الطيران في البلدين إلى وجود نحو 200 رحلة طيران مباشرة تربط مطارات البلدين أسبوعيا، في حين تقدر أعداد السياح الكويتيين الذين يزورون الإمارات سنويا بنحو 500 ألف سائح؛ حيث بلغت عدد الرحلات الجوية التي سيرتها الشركات الوطنية حوالي 23 ألفا بإجمالي مسافرين بلغ 2.7 مليون مسافر، للفترة بين يناير 2019 ومارس 2020، قبل إعلان منظمة الصحة العالمية تفشي جائحة كورونا رسمياً، لتحتل الكويت مرتبة متقدمة بين العشرة الأوائل في دبي من حيث عدد الزوار.

وفي نوفمبر الماضي 2020، وقعت الدورة الرابعة للجنة المشتركة العليا الكويتية الإماراتية 4 برامج ومذكرات تفاهم لتوطيد وزيادة التعاون بين البلدين، أبرزها مذكرة تفاهم في شأن الاعتراف بالشهادات الأهلية البحرية بين حكومة الكويت وحكومة دولة الإمارات، ومذكرة تفاهم للتعاون في مجال الشؤون الإسلامية بين حكومة الكويت والإمارات العربية المتحدة، وبرنامج تنفيذي للتعاون التربوي بين حكومة الكويت، وبرنامج تنفيذي للاتفاق الثقافي والفني بين الحكومتين.

ووفقا لبيانات مجلس الأعمال الكويتي بدبي، فإن الشركات الكويتية المدرجة في سوق دبي تمثل ما يقرب من 70٪ من الشركات الأجنبية المدرجة، حيث نما عدد الشركات الكويتية المملوكة كليًا أو جزئيًا إلى أكثر من 1700 شركة. جدير بالذكر أيضاً أن عدد رجال الأعمال الكويتيين  المستثمرين بالأراضي الإماراتية بلغ العام الماضي أكثر من 700 مستثمر. وتحتل الكويت المرتبة 18 بين شركاء دبي التجاريين، متجاوزة الاقتصادات المتقدمة من جميع أنحاء العالم، بما في ذلك فرنسا واليابان والبرازيل وغيرها. فيما يبلغ عدد الوحدات العقارية المملوكة للكويتيين في دبي أكثر من 5 آلاف وحدة بقيمة تقديرية 4 مليار دولار.

في المقابل تضخ الإمارات استثمارات بنحو مليار دولار، لتستحوذ على ما يقارب 10% من إجمالي الاستثمارات المباشرة في الكويت والتي تتخطى عشرة مليارات من الدولارات. فيما جاءت الكويت  بالمرتبة التاسعة كأحد أبرز الشركاء التجاريين للإمارات قبل جائحة كورونا، بحجم تبادل تجاري أقل من 3 مليار دولار لتستحوذ على نسبة 2.5% من إجمالي التبادل التجاري للإمارات، وبلغ إجمالي كميات التبادل التجاري بين البلدين في الربع الأول من العام الماضي نحو 10.06 مليون طن، بنسبة 16.3% من إجمالي كميات التبادل التجاري للإمارات.

مناوشات على طريق العلاقات الثنائية

لم تخلو العلاقات الثنائية بين الدوليتن من محطات خلافية، أغلبها توترات إعلامية، سارعت الدولتين باحتوائها والتأكيد على متانة العلاقات بينهما. واللافت للنظر إلى أن كلا الدولتين لم تسمح لأي توتر إلى التصاعد أو التحول إلى خلاف "علني" عميق.

شهد العام الماضي، انتشار أخبار إعلامية حول إبلاغ الخارجية الكويتية دولة الإمارات برغبتها في إنهاء عمل سفيرها لدى الكويت - بعد عام ونصف فقط من تعيينه - لأسباب تتعلق بتورطه في دفع مبالغ مالية لبعض السياسيين والإعلاميين الكويتيين من أجل حشدهم في إطار الأزمة الخليجية ودعم مواقف أبوظبي السياسية.

سارعت الخارجية الكويتية بنفي هذه الأخبار مؤكدة عدم صحة ما تم تداوله في بعض وسائل التواصل الاجتماعي حول طلب الكويت نقل سفير الإمارات لديها صقر الريسي، ونقلت وكالة الأنباء الرسمية الكويتية عن مصدر مسؤول في خارجية البلاد، قوله إن السفير الريسي يتمتع بنشاط دبلوماسي متميز وعلاقات اجتماعية مرموقة.

على الجانب الآخر، عبرت دولة الإمارات عن رفضها لأي إساءة للكويت ورموزها وذلك عقب تقرير نشرته جريدة "العرب" الإماراتية التي تصدر من لندن، واعتبرته الحكومة الكويتية مسيئا، حيث أوردت الصحيفة تقريرا عن استجواب رئيس مجلس الوزراء الكويتي صباح الخالد من قبل بعض أعضاء في البرلمان، تحت عنوان "أزمة داخلية تفاجئ أمير الكويت المنتشي بنجاح وساطته بين قطر والسعودية". ونقلت وكالة كونا عن مصدر مسؤول قوله أن وزارة الخارجية الكويتية قد تواصلت مع "الأشقاء بوزارة الخارجية والتعاون الدولي بدولة الإمارات"، وأعربت عن استيائها ورفضها للعبارات التي وردت في مقالة الجريدة المذكورة والتي تمثل إساءة لدولة الكويت وذكرت الخارجية الكويتية أنها تلقت مذكرة رسمية تضمنت الموقف الرسمي لدولة الإمارات، والذي"عبر عنه الأشقاء عن حرص على العلاقات الأخوية مع دولة الكويت احترام وتقدير لرموزها"، حسب تعبير البيان الصحفي.

وكانت محكمة كويتية قد قضت في فبراير 2020، بسجن الداعية الجهادي "حامد العلي" ثلاث سنوات، في قضية الإساءة لدولة الإمارات، وقبل سنوات، أدرج "العلي" ضمن قوائم الإرهاب في عدد من دول الخليج، وفي 2017، هاجم "العلي"، حكومة الإمارات، بأبيات شعرية، ضمن سلسلة من الانتقادات وجهها لدولة الإمارات حول دورها في حصار قطر والتدخل في الشأن الليبي وغيرها من القضايا. كما قضت محكمة الجنايات الكويتية بسجن النائب السابق (عبدالحميد دشتي) ثلاث سنوات أيضا، لاتهامه بـالإساءة للإمارات. وكانت المحكمة الكويتية قد أمرت في يناير 2020، بضبط وإحضار، المفكر وأستاذ العلوم السياسية (عبدالله النفيسي)، على خلفية الدعوى المقامة ضده، بنفس تهم الإساءة للإمارات، لكن المحكمة برأته لاحقاً مع السياسي الكويتي (ناصر الدويلة)، من التهم المنسوبة له بشأن الإساءة إلى الإمارات وحكامها على مواقع التواصل.

وفي 2014، أصدرت الأمانة العامة لمجلس الأمة الكويتي، بياناً دفاعياً حول تقرير صحيفة الوطن الكويتية المعارضة، تحت عنوان "قناة المجلس تتطاول على الإمارات ومحمد بن زايد"، وشدد بيان المجلس على أن ما نشر في صحيفة الوطن عار عن الصحة، ويفتقد إلى المصداقية والنزاهة الصحفية، وأضاف المجلس أن آراء ضيوف القناة تعبر عن قائلها، ولا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي القناة أو مجلس الأمة. وأكد البيان على اعتزاز الشعب الكويتي ومجلس الأمة الكويتي بدولة الإمارات الشقيقة، رئيسا وحكومة وشعبا، وبولي عهد أبوظبي، وفق تعبير البيان. وكان "مبارك الدويلة"، قد هاجم في برنامج على قناة تابعة لمجلس الأمة الكويتي ولي العهد الإمارتي متهمه بإضمار الكره للأسلام السياسي وكل ما هو سني، حسب تعبير الدويلة.

وقبل عامين أيضاً، انتهى خلاف آخر أدى إلى توتر كبير بين الحكومتين، حيث وافق مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي في فبراير 2019، على صرف مبلغ قدره 496 مليون دولار يملكه صندوق الموانئ الكويتي، كان مجمَّداً لدى بنك نور، المملوك للحكومة في دبي، منذ أواخر عام 2017، بدعوى التحقيق في تهم غسيل أموال.

توافق سياسي بين الدولتين

خلال عشر سنوات ماضية، توافقت المواقف السياسية والخارجية لكلا الدولتين في العديد من الملفات، وافترقت في قضايا أخرى، فبينما تتشارك الدولتان القلق من الصعود الإيراني، فإنهما يقيمان علاقات متوازنة معها في ذات الوقت، حيث يتبعان دبلوماسية حذرة بشأن إيران تشجع الضغط ضدها وتحجيم أدوارها، دون الوصول لحافة الانهيار التام في العلاقة أو نشوب حرب إقليمية مباشرة.

وقبل عام، دافع خالد الجار الله نائب وزير الخارجية الكويتي، عن دولة الإمارات أمام التهديدات الإيرانية بتنفيذ عمليات انتقامية ضد السعودية والإمارات على خلفية اتهام إيران كلا الدولتين بالتورط "الاستخباراتي والمالي" في مقتل جنود من الحرس الثوري الإيراني على الحدود الباكستانية، حسب تصريحات (يحيى صفوي)، المستشار العسكري الأعلى للمرشد الإيراني.

خليجياً، نجحت الوساطة الكويتية في إقرار المصالحة الخليجية بين كلا من الإمارات والسعودية والبحرين من جانب وقطر من جانب آخر في يناير الماضي بقمة العلا، بعد أكثر من 3 سنوات من المقاطعة بينهم. وأعرب وزير خارجية الإمارات العربية المتحدة الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، عن ترحيب بلاده بما تقوم به الكويت لتحقيق المصالحة الخليجية.

تقدر الإمارات موقف الكويت الداعم لإنهاء التوترات في الخليج، وقد قادت الكويت وساطة سابقة بين سلطنة عمان والامارات، لحل خلاف نشب بينهما بعدما اعلنت مسقط انها فككت شبكة تجسس اماراتية تستهدف "نظام الحكم" في السلطنة عام 2011، وزار أمير البلاد آنذاك الراحل الشيخ صباح الاحمد الصباح مسقط يرافقه رئيس الحكومة الاماراتية الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم وولي عهد ابوظبي الشيخ محمد بن زايد ال نهيان بهدف احتواء الموقف المتوتر بين البلدين.

خليجيا أيضا، شاركت كلا من الكويت والإمارات في التحالف الذي دشنته السعودية لمواجهة القوات الحوثية في اليمن واستعادد الشرعية ضمن عاصفة الحزم، وبينما أعادت الإمارات تموضعها في اليمن عسكرياً، قامت الكويت باستضافة عدة جولات من المحادثات بين الأطراف اليمنية، من أجل التوصل إلى حل سياسي لإنهاء الحرب الدائرة.

مواقف السياسية مختلفة

اختلفت سياسة الدولتان في التعامل مع عدة قضايا أقليمية هامة، مثل قضية التطبيع مع دولة الاحتلال الاسرائيلي، والتعامل مع جماعات الإسلام السياسي بعد الربيع العربي، وغيرها من المواقف التي افترق مسار السياسة المتبع فيها تبعا لظروف كل دولة ونهجها الدبلوماسي.

يأتي على رأس المواقف السياسية التي تشهد تباعداُ بين الدولتين، قضية التطبيع مع "إسرائيل"، حيث اشتهرت الكويت بمواقفها المعلنة تجاه دولة الاحتلال، ومساندتها القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني منذ الستينيات عندما تأسس مكتب مقاطعة إسرائيل بالكويت، وأصدر حينها الأمير الشيخ عبد الله السالم الصباح مرسوماً يقضي بحظر حيازة وتداول السلع الإسرائيلية بكل أنواعها، ومنذ ذلك الحين وتواجه الكويت كل أشكال التطبيع سياسيا واقتصادياً ومجتمعياً، وفي أعقاب العدوان الاسرائيلي على غزة عام 2014، قادت الحكومة الكويتية أكبر حملة مقاطعة لدولة الاحتلال، حيث أعلنت أنها ستقاطع 50 شركة بسبب دورها في المستوطنات الإسرائيلية، في خطوة رحّب بها نشطاء حركة المقاطعة العالمية. وفي أغسطس 2020، تقدّم خمسة من أعضاء مجلس الأمة الكويتي، باقتراح بقانون لحظر كل أنواع وأشكال العلاقات مع "إسرائيل"، ومنع أي تطبيع أو توقيع اتفاقية سلام مع الكيان الصهيوني مهما كانت الأسباب". وهو الاقتراح الثاني بعد عدة أشهر من تقدم أربعة نواب بمقترح قانون مماثل، عقب استقبال سلطنة عُمان لرئيس الوزراء "الإسرائيلي" بنيامين نتنياهو، ومشاركة فرق رياضية "إسرائيلية" في بطولتين في الإمارات وقطر.

قبل شهور قليلة من مغادرته للبيت الأبيض، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، توصل الإمارات وإسرائيل إلى اتفاق لتطبيع العلاقات واصفا إياه بـ "التاريخي". وعقب إعلان اتفاق التطبيع بين تل أبيب وأبو ظبي، تواصلت اللقاءات والزيارات الرسمية والشعبية بين الجانبين، لكن ترامب فجّر مفاجأة حين ذكر في تصريحاته أن الكويت متحمسة للتطبيع مع دولة الاحتلال، حيث بادر مجلس الوزراء الكويتي في جلسته المنعقدة في الشهر ذاته، بالتأكيد على "التزام دولة الكويت بالوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني ودعم خياراته وتأييدها لكافة الجهود الهادفة إلى الوصول إلى حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية يضمن للشعب الفلسطيني إنهاء الاحتلال وعودة اللاجئين وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية على حدود الرابع من يونيو عام 1967 وفق قرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية وحل الدولتين."، وفي اليوم ذاته جرّمت 41 منظمة كويتية – في بيان لها - التطبيع مع دولة الاحتلال.

فيما هاجم الكويتيون على مواقع التواصل الاجتماعي، تصريحات كوشنر التي أدلى بها، عقب إعلان التطبيع بين الإمارات وإسرائيل، والتي انتقد فيها الموقف الكويتي الرافض للتطبيع، ووصف وقوف الكويت إلى جانب الحق الفلسطيني بالأمر "غير البناء"؛ معتبرين أنها تدخلاً سافراً في الشأن الكويتي الداخلي.

ترى دولة الإمارات في اعترافها واتفاقها مع "اسرائيل" فرصة في فتح أبواب الضغط الداخلي على إدارة بايدن الجديدة عبر اللوبيات اليهودية بالولايات المتحدة، بالإضافة إلى خطتها لإنجاز صفقات عسكرية وأمنية ضخمة بين الدول الثلاث. بينما ترى الكويت أن الهرولة إلى التطبيع، سيمنح "اسرائيل" مبررا إضافياً لإهدار حقوق الفلسطينيين وتغيير البنية الديمغرافية للأراضي المقدسة، وهو مالا يصب في مصلحة الدول العربية والمنطقة ككل.

يتوقع المحللين السياسيين أن الضغوط الأمريكية على الدول العربية لتدشين خطط التطبيع مع دولة الاحتلال، ستقل مع رحيل ترامب، رغم الابتزاز الذي قام به كوشنر ضد الكويت في أيامه الأخيرة حينما صرح قائلا: "نحن لا نمارس ضغوطات، والدول تفعل ما ترى في مصلحتها، فعندما تم غزو الكويت من العراق، الفلسطينيون دعموا صدام، وهناك رؤية متشددة للغاية من جانب الفلسطينيين الآن، وما نراه في المنطقة هو في مصلحة الكثير من الدول من وجهة النظر الاقتصادية"، التصريحات الذي انتفضت ضدها وسائل الإعلام الكويتية معبرة عن نبض الشعب الكويتي الذي نشأ على دعم القضية الفلسطينية منذ عشرات السنين.

في سياق المواقف السياسية المختلفة بين الدولتين أيضا، تبرز قضية الربيع العربي والتعامل مع جماعات الإسلام السياسي داخليا وخارجيا. اختلفت طريقة التعامل مع تداعيات الثورات العربية التي بدأت 2011، وعلى الرغم من من أن الدولتان اعتبرتا الثورات تهديدا للاستقرار بالمنطقة، إلا أن درجة تعبيرهما وردود الفعل كانتا مختلفتين إلى حد كبير.

ذهبت الإمارات بعيدا في مساندة الأنظمة السياسية القديمة بعد الربيع العربي، ووضعت جماعة الإخوان المسلمين على قوائم الإرهاب، ودعمت نظام 3 يوليو بمصر برئاسة السيسي بكافة أشكال الدعم، وأصبحت لاعباً أساسيا في ليبيا كمنافس للوجود التركي، وعادت لتهدئة الأجواء مع نظام بشار الأسد، بالإضافة إلى إنهاء وجود الجماعات السياسية الإسلامية داخل الإمارات عبر القضاء على حركة الإصلاح الإماراتية وبعض الرموز والناشطين السياسيين من ذوي التوجه الإسلامي. لكن الكويت كانت أقل حدة في التعامل مع ظاهرة الربيع العربي وافرازاتها، حيث حافظت على توازناتها الداخلية مع الإسلاميين بالكويت، خاصة وأن الكويت تطبق نموذجاً سياسيا "ديمقراطيا" مختلفا عن باقي الدول الخليجية، بينما دعمت الكويت النظام المصري الجديد بعد 3 يوليو مالياً وسياسيا وأمنيا، وتخوض بحذر في العلاقة مع تونس في ظل وجود الإسلاميين على رأس برلمانها.

تباينات التعامل مع ظواهر الربيع العربي والإسلام السياسي، جاءت في ظل عدم وجود رؤية خليجية موحدة، حيث اختارت دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية مسارات مختلفة، بعضها شديد التضاد مثل الموقف القطرى أمام الموقف الإماراتي والسعودي، وبعضها متوازن أو أخف حدة في التعامل، مثل عمان والكويت.

الفرص والتحديات

اعتبر الباحث بيتر ساليسبوري، في دراسته "مخاطر السياسة الخارجية للإمارات" التي نشرها معهد "تشاتام هاوس" يوليو الماضي، أن العلاقة الكويتية الإماراتية جيدة لكنها ليست ضخمة، أي أنها علاقة تعاون كبيرة لكنها لم تصل بعد للتحالف الاستراتيجي، مستنداً إلى اختلاف أولويات السياسة الإماراتية عن الكويتية في بعض الملفات، التي أشرنا لها سابقاً، كما تشير الدراسة إلى  هناك ثلاث أولويات للسياسة الإماراتية تتفق الكويت مع اثنان منهما على الأكثر:

1. مواجهة وإحباط تركيا وقطر وجماعات الإسلام السياسي.

2. الاستثمار في البنية التحتية للموانئ لحماية طرق التجارة، مع توسيع الشراكات التجارية.

3. بناء علاقات متوازنة مع القوى العالمية الكبرى بهدف تنويع العلاقات الاستراتيجية للاتحاد بما يتجاوز الضامن التقليدي للأمن الإقليمي.

في السياق نفسه، يشكّل مستقبل مجلس التعاون الخليجي، تحديا آخر يواجه كل الدول الأعضاء، فبعد الخلاف الخليجي مع قطر قبل عدة سنوات، توقع خبراء بانتهاء الدور الحيوي لهذا التحالف الذي نشأ في لحظة تاريخية ليجمع كلمة الخليج في وجه التهديد الإيراني. وخلال السنوات القليلة الماضية وعلى إثر هذه الأحداث الخليجية، دخلت الإمارات والسعودية في تنسيق مباشر وكبير بعيدا عن مجلس التعاون في كثير من القضايا، أهمها حرب اليمن والموقف من تركيا وقطر، بينما استمرت عمان في سياسة أكثر استقلالية مستغلة حالة الخلاف والاضطراب بين الدول الأعضاء، في حين ذهبت الكويت إلى ترسيخ العلاقات مع تركيا، اللاعب الإقليمي الجديد.

في الوقت نفسه لاتزال قضية تحويل مجلس التعاون إلى اتحاد خليجي والتي تقدوده المملكة العربية السعودية، شامل محل نقاش وتدافع بين الدول. ومؤخرا أيضاً؛ أعلنت السعودية والبحرين عن اتفاقية ثنائية لتعزيز العمل المشترك للحد مما أسمته التدخلات التركية والإيرانية.

على الرغم من تحدي اختلاف الأولويات في السياق الخارجي الذي قد يؤدي في لحظة ما إلى التقاء الدولتين كمنافسين لا حلفاء، فإن الفرص المتاحة لتطوير العلاقة بين الحكومتين لا تزال كبيرة ومتنامية، خاصة في مجال التعاون العكسري والاستفادة المتبادلة من التموضع الاستراتيجي للدولتين، فيما يشبه تحويل التحديات إلى فرص.

يمكن اعتبار التعاون العسكري والاستفادة من التطور السريع لقدرات الإمارات الدفاعية، باب هام للاستفادة الكويتية، بما يوفر على الحكومة عناء الذهاب بعيدا عبر القارات لتطوير المنظومات العسكرية، بينما الجارة الخليجية قد قطعت شوطا سريعا مستفيدة من إمكاناتها المادية الكبيرة. وفي العقد الأخير اتبعت كلا الإمارات والكويت سياسة تعويض الحجم الجغرافي الصغير عبر بنتاء الأجهزة الأمنية والدفاعية واتباع سياسات خارجية متنوعة لحجز مقعد على خريطة المؤثرين الإقليميين.

يأتي الترتيب العسكري للإمارات في المركز 45 على مستوى العالم، بينما الكويت في الترتيب 85، كما أن الكويت المرتبة الرابعة في الإنفاق الدفاعي بالخليج بعد السعودية والإمارات وعمان، وقبل كل من قطر والبحرين.

إماراتياً؛ قامت الحكومة في أواخر عام 2019، بدمج 25 شركة دفاعية محلية في شركة واحدة شاملة هي Edge وتهدف إلى تسريع إنتاج الأسلحة المنافسة بالسوق، خاصة السفن والمركبات المدرعة والأنظمة الجوية من دون طيار، كما أنها دخلت سوق الأسلحة الصغيرة عبر الشركة المصنعة الخاصة بها Caracal. علاوةً على ذلك، طورت شركة نمر للسيارات الإماراتية سلسلة من المركبات القتالية الخفيفة. وتسلط شراكتها مع شركة MIRA الهندسية البريطانية لتطوير مركبات التدخل السريع الضوء على إمكانات التطوير المشترك مع شركاء أجانب. وتمتلك الإمارات عبر اتفاقياتها مع الولايت المتحدة؛ طائرات إف 16 وطائرات إف 35 وأباتشي وشينوك وذخائر موجهة بدقة وأنظمة الدفاع الصاروخي ثاد وباتريوت وطائرات بدون طيار وصواريخ مرتبطة بهاوإضافةً إلى الأسلحة التي اشترتها الإمارات من الولايات المتحدة، كما اشترت معدات من الصين وفرنسا وروسيا والمملكة المتحدة كوريا الشمالية، حسب تقرير مركز كارنيجي في مايو 2019.

وبخلاف التدريب الذي تتلقاه القوة العسكرية الإماراتية من أمريكا، تذكر بعض التقارير أن حوالى 400 جندي فرنسي و1600 جندي كوري جنوبي يتولّون تدريب القوات المسلحة الإماراتية أيضا. وخلال معرض الدفاع الدولي (آيدكس) في أبو ظبي قبل عامين، وقّعت الشركة الإماراتية "كاليدوس" مذكّرة تفاهم مع شركة "جي دي سي الشرق الأوسط" لصناعة الطيران والدفاع التي تتخذ من السعودية مقراً لها، بهدف تصدير طائرتها الهجومية الخفيفة الجديدة "بي-250" إلى أسواق أخرى في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

تمثل توجهات الإمارات بالتطوير السريع والمتنامي لقدراتها العسكرية وعلاقاتها مع مختلف الدول الكبري، فرصة كبيرة لدول الجوار لتعميق التعاون العسكري وتبادل الخبرات. وفي الوقت ذاته تشير التوجهات الكويتية بتنويع مصادر قوتها العسكرية إلى أن الدولتان تسيران في خطوط متوازية يمكن أن يلتقبا في وقت ما.

وتعمل الكويت في السنوات الأخيرة، على تعميق علاقتها مع تركيا، عضو الناتو الصاعد في التصنيع العسكري، وقد شاركت تركيا في معرض الدفاع والطيران الكويتي عام 2017 مع 23 شركة صناعية، وتعمل الكويت عبر توقيعها اتفاقية الدفاع المشترك 2018 مع تركيا على الارتقاء بالعلاقة بين الدولتان إلى مزيد من التعاون العسكري الاستراتيجي.

وتشير بعض التقارير الأجنبية إلى أن الإمارات قد صدرت بالفعل، مراكب إنزال عسكرية إلى الكويت، عبر شركة أبو ظبي لبناء السفن. فيما أعلنت الإمارات عام 2017 عن مشروع مشترك مع روسيا لبناء طائرة مقاتلة تروج لها في السوق الخليجي.