العلاقات الكويتية العمانية: التحالف في بيئة مضطربة

العلاقات الكويتية العمانية: التحالف في بيئة مضطربة
العلاقات الكويتية العمانية: التحالف في بيئة مضطربة
حجم الخط شارك طباعة

| منذ 2021/12/20 21:12:19

ينظر العالم إلى كل من الكويت وسلطنة عمان باعتبارهما ميزان الخليج العربي، حيث يتمتعان بنهج دبلوماسي مختلف عن باقي الدول، قائم على تعزيز الاستقلالية وتخفيض التوترات الإقليمية والوساطة في حل الأزمات. وتشير العلاقات الكويتية العمانية إلى أن التقارب والتحالف في ظل الأجواء المضطربة بالخليج والشرق الأوسط، أمر ممكن وواقعي ومؤثر، وتعود صلابة العلاقة بين الدولتين إلى أسباب تاريخية ومواقف مشتركة في قضايا الخليج الأمنية والسياسية والاقتصادية.

كانت الكويت من أكبر الدول الخليجية الحاضنة للعُمانيين في السبعينيات، حيث كانت أعداد كبيرة من العمانيين تعمل في الكويت، وتبدّل الأمر في التسعينيات عندما استضافت السلطنة الكويتيين الذين اضطروا لمغاردة البلاد أثناء الحرب الخليجية. ويحمل الكويتيين ذكريات طيبة للعمانيين بسبب استقبالهم الحافل أثناء غزو الكويت، وقام الأمير الراحل الشيج جابر الصباح بزيارة رسمية لسلطنة عمان في سبتمبر 1991 التقى خلالها السلطان الراحل "قابوس" وقدم فيها شكر الكويت للسلطنة على مواقفها المؤيدة للحق الكويتي خلال محنة الغزو العراقي. وبعد شهر واحد زار السلطان قابوس الكويت للمشاركة في القمة الخليجية الثانية عشر لدول مجلس التعاون الخليجي، وتكررت زيارة السلطان قابوس إل الكويت مرة أخرى عام 2002 وعام 2005 للتنسيق حول المواقف المشتركة. وفي عام 2009 قلّد الأمير الراحل الشيخ صباح الاحمد الجابر الصباح السلطان قابوس "قلادة مبارك الكبير" خلال زيارته الى الكويت، فيما قلد السلطان قابوس أمير الكويت "وسام عمان المدني" من الدرجة الاولى.

استمر اهتمام سلطنة عمان بالتقارب مع الكويت، وزار السلطان قابوس الكويت في أعوام 2010 و 2012، وشكلت الدولتين لجنة اقتصادية مشتركة لبحث ملفات التعاون وتوقيع الاتفقيات اللازمة، ثم زار أمير الكويت الراحل السلطنة في 2017، وشهدت البلدان أيضاً زيارات متبادلة لاعضاء المجالس النيابية طوال العقود الماضية لتعزيز الأواصر الشعبية بين الجانبين. وكانت آخر زيارة لأمير الكويت في 2020 ليقدم واجب العزاء في وفاة السلطان قابوس للسلطان هيثم بن طارق.

ثقافياً، افتتح أمير الكويت الراحل في يناير 2018، المعرض الوثائقي على هامش المؤتمر الدولي السادس "علاقات عمان بدول المحيط الهندي والخليج" بمركز الشيخ جابر الأحمد الثقافي" والذي نظمته هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية، ويهدف المعرض إلى تعزيز ثقافة البحث والاطلاع وتعريف دول المنطقة بدور عمان التاريخي والحضاري، وتناول المعرض قسماً لصور ووثائق حول تاريخ العلاقلت بين عمان والكويت.

وقبل أسابيع قليلة أصدر وزير الخارجية العماني "بدر البوسعيدي"، قرارا وزاريا بإشهار جمعية "الصداقة العمانية الكويتي" لتمتين العلاقات بين الدولتين وتتويجا لتاريخ طويل من التقارب الإيجابي.

أمنياً، تتعاون الدولتين في تبادل الخبرات والمعلومات والتدريب المشترك. وفي أغسطس 2018، عقد مسؤولون عسكريون في الكويت وعمان، مباحثات تركزت على تعزیز علاقات التعاون في المجال العسكري بین البلدین. ووفق وكالة الأنباء الكويتية الرسمية، فقد بحث قائد القوة البحریة الكویتیة اللواء الركن "خالد عبدالله" مع رئیس الأركان العماني الفریق الركن "أحمد النبهاني" عددا من القضایا المشتركة. وقالت الوكالة إن "عبدالله" أجرى محادثات مماثلة مع الأمین العام لوزارة الدفاع العمانیة "محمد الراسبي" وقائد البحریة اللواء الركن "عبدالله الرئیسي"، في حضور عدد من كبار ضباط القوات العمانية. وزار مسؤول القوة البحریة الكویتیة عددا من القواعد البحریة العمانیة وفي طليعتها قاعدة "سعید بن سلطان" البحریة.

فيما بحث وزير خارجية الكويت الشيخ أحمد ناصر المحمد الصباح، مع نظيره العُماني بدر بن حمد البوسعيدي، في أغسطس الماضي؛ العلاقات الثنائية بين البلدين وآخر المستجدات في المنطقة والعالم. وقبل أيام بحثت سلطنة عُمان مع دولة الكويت تعزيز العلاقات الثنائية بين الجانبين في المجال الأمني خلال مباحثات بين وزيري الخارجية.

 

 

العلاقات الاقتصادية بين الدولتين

 

ساهمت اللجنة العمانية الكويتية المشتركة في تقوية التعاون الاقتصادي، والذي أفرز تبادل تجارياً واستثمارياً وتوقيع العديد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم في مجالات مختلفة، تتصدرها مشاريع مشتركة في منطقة "الدقم" الإقتصادية مثل: مصفاة الدقم ومجمع البتروكيماويات وتخزين النفط في "رأس مركز" التي تصل حجم استثماراته إلي 8 مليار دولار أمريكي. وتعد دولة الكويت الأولى خليجياً وعربياً في الاستثمار في منطقة الدقم الاقتصادية. ووفق الإحصاء الرسمية، فإن التبادل التجاري بين الدولتين قد بلغ العام الماضي، 464 مليون دولار. فيما بلغ عدد الشركات المشتركة بين الجانبين العماني الكويتي 557 شركة منها 227 شركة في قطاع التجارة و177 شركة في قطاع الانشاءات و12 شركة في قطاع النقل و43 شركة في قطاع الخدمات، بينما قطاع الصحة 3 شركات و4 شركات لكل من قطاع التعليم والقطاع المالي و62 شركة في القطاع العقاري و3 شركات لكل من قطاع الزراعة والسياحة وشركتان في قطاع النفط والغاز و17 شركة في القطاع الصناعي.

وفي يونيو 2021، عقدت السلطنة ودولة الكويت جولة جديدة من مباحثات لتعزيز العلاقات التجارية والاستثمارية بين البلدين في مجالات الثروة الزراعية والحيوانية والسمكية، بتنظيم من غرفة تجارة وصناعة عُمان. واستعرضت المباحثات الفرص الاستثمارية في المجالات الزراعية والحيوانية والسمكية المتوفرة لدى الجانبين، وقام المختصون بهيئة الغذاء والتغذية بدولة الكويت بعرض القوانين واللوائح والمواصفات القياسية التي تخص استيراد وتصدير المُنتجات الزراعية والحيوانية والسمكية.

ويستحوذ قطاع التجارة على 35% تقريبًا من إجمالي الاستثمارات المشتركة بين البلدين، يأتي بعده في المرتبة الثانية قطاع الإنشاءات، تليه قطاعات النقل والخدمات والصحة والتعليم والقطاع المالي والعقارات والسياحة والزراعة والنفط والغاز بالإضافة إلى قطاع الصناعة.

وحسب بيانات هيئة الإحصاء الكويتية فإن قيمة الصادرات الكويتية إلى سلطنة عمان انخفضت في الربع الثاني من هذا العام لتبلغ 8 مليون دينار ونصف تقريبا، كما هو موضح بالجداول المرفقة.

ووفق البيان العمانية، فإن عام 2012 كان قد شهد أعلى قيمة مسجلة للواردات من دولة الكويت عام 2012م، حيث بلغت 120 مليون ريال، بينما كانت في عام 2016 حوالي 22 مليون ريال فقط. أما أعلى قيمة مسجلة للصادرات إلى الكويت فكانت عام 2013، بقيمة 177 مليون ريال.

 

وبلغت قيمة الواردات في الربع الثاني من هذا العام، نحو 15 مليون دينار مرتفعة عن الربع الأول بنحو 3 ملايين دينار.

 

 

على جانب آخر، يأتي الكويتيون في المرتبة الثانية من حيث أكثر الخليجيين استحواذًا على الأراضي في السلطنة، إذ يبلغ إجمالي الملكيات المسجلة بأسماء الكويتيين 6548 ملكية، بمساحة إجمالي تتجاوز 421 ألف متر مربع. وفي سبتمبر الماضي أهابت سفارة الكويت لدى سلطنة عمان بالمواطنين الكويتيين الذين يمتلكون أراض أو عقارات في عدد من المواقع بالسلطنة ضرورة التصرف في هذه الأملاك نحو نقل ملكيتها بالطرق القانونية الى مواطن عماني، وأوضحت السفارة في بيان صحفي، أن ذلك يأتي تنفيذا للمرسوم السلطاني القاضي رقم 29 لعام 2018، بحظر تملك غير المواطنين العمانيين للأراضي والعقارات مواقع محددة مذكورة بالمرسوم.

ونفى بعض المحللين بالسلطنة أن يكون هذا القرار نوع من التضييق على الكويتيين، مبررين الأمر بأن القرار تضمن الحديث عن المناطق القريبة من المناطق الأمنية والعسكرية والمنشآت السلطانية فقط.

ووفقاً لخبراء عقاريين نقلت جريدة القبس المحلية آراؤهم، فإن القرار سيتسبّب في تكبّد بعض المستثمرين الكويتيين في عمان خسائر بسبب تأثر وتراجع أسعار عقاراتهم نتيجة عمليات البيع السريعة قبل نهاية المدة المسموحة لهم بالتخارج من ممتلكاتهم

 

المواقف السياسية والدبلوماسية

 

التقت السياسة الخارجية العمانية مع السياسة الخارجية للكويت في كثير من المواقف والمبادئ، وافترقت في القليل منها، فقد حرصت كلا السياسيتين على البقاء بعيدا عن الانخراط العميق في قضايا الصراع، وأن تكون مواقفها معبرة عن استقلالية القرار السياسي وعدم الدخول في أي استقطابات بين الدول، وطيلة عقود من حكم السلطان قابوس بن سعيد، ظلت السلطنة تلتزم موقف الحياد في النزاعات والصراعات والحروب التي شهدتها المنطقة، وتتجنب الانضمام إلى أي تكتل دولي أو إقليمي ضد دول أخرى، وقد ظهر موقف سلطنة عمان أكثر وضوحاً بهذا الشأن تجاه عاصفة الحزم ورفض المشاركة فيها، وكذلك تجاه قضية سوريا وليبيا، وعلاقاتها مع إيران، وطريقة تعاملها مع الأزمة الخليجية بين قطر والدول الأربعة. فيما شهد الموقف من "اسرائيل" والتطبيع اختلافا عميقا بين الدولتين.

فقد اشتهرت الكويت بمواقفها المعلنة تجاه دولة الاحتلال، ومساندتها للقضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني منذ الستينيات عندما تأسس مكتب مقاطعة إسرائيل بالكويت، وأصدر حينها الأمير "عبد الله السالم الصباح" مرسوماً يقضي بحظر حيازة وتداول السلع الإسرائيلية بكل أنواعها، ومنذ ذلك الحين وتواجه الكويت كل أشكال التطبيع سياسيا واقتصادياً ومجتمعياً، وفي أعقاب العدوان الاسرائيلي على غزة عام 2014، قادت الحكومة الكويتية أكبر حملة مقاطعة لدولة الاحتلال، حيث أعلنت أنها ستقاطع 50 شركة بسبب دورها في المستوطنات "الإسرائيلية"، في خطوة رحّب بها نشطاء حركة المقاطعة العالمية. وفي أغسطس 2020، تقدّم خمسة من أعضاء مجلس الأمة الكويتي، باقتراح بقانون لحظر كل أنواع وأشكال العلاقات مع "إسرائيل"، ومنع أي تطبيع أو توقيع اتفاقية سلام مع الكيان الصهيوني مهما كانت الأسباب. وهو الاقتراح الثاني بعد عدة أشهر من تقدم أربعة نواب بمقترح قانون مماثل، عقب استقبال سلطنة عُمان لرئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بنيامين نتنياهو.

في المقابل؛ شهدت العلاقات بين عمان و"اسرائيل" تطبيعاً قديما، ففي عام 1994، بعد توقيع "إسرائيل" على اتفاقات أوسلو مع منظمة التحرير الفلسطينية، توجه رئيس الوزراء "إسحاق رابين" إلى عمان وقابل السلطان قابوس في أول لقاء يتم الإعلان عنه علنًا بين إسرائيل وعمان. ثم تم تجميد العلاقات الرسمية بعد اندلاع الانتفاضة الثانية في أكتوبر عام 2000 ولمدة 18 عاما، لكن في 2008 قام وزير الشئون الخارجية العماني حينها "يوسف بن علوي" بمقابلة وزيرة الخارجية الإسرائيلية "تسيبي ليفني" أثناء زيارتها لقطر. وفي عام 2018، قاد رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بنيامين نتنياهو وفدًا إلى سلطنة عمان، والتقى بالسطان، وبعد وفاة "قابوس"، صرّح نتنياهو أن السلطان كان رجلًا عظيمًا.

وفي فبراير 2019، صرّح وزير الخارجية العماني حينها "يوسف بن علوي" أن عمان لن تطبع علاقاتها مع إسرائيل حتى يتم إنشاء دولة فلسطينية ذات سيادة. وبعد شهور قليلة، قام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في وجود رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالإعلان عن بعض تفاصيل صفقة القرن، وذلك بحضور بعض السفراء العرب، وهم سفراء عمان والبحرين والإمارات، وقال نتنياهو: "يا لها من سعادة أن نرى سفراء عمان والإمارات والبحرين معنا هنا".

وفي يوليو 2020، عاد وأكد وزير الخارجية العُماني "بدر البوسعيدي"، في مقابلة صحفية؛ إن بلاده لن تكون ثالث دولة خليجية تقوم بتطبيع العلاقات مع إسرائيل، عندما سُئل عن مكالمة أخيرة له مع وزير الخارجية الإسرائيلي "يائير لابيد"، مؤكداً أن بلاده “مع الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني ونحترم القرارات السيادية للدول مثلما نتوقع احترام الغير لقراراتنا السيادية”.

في سياق المواقف السياسية أيضاً، تبرز مسألة الموقف من ثورات الربيع العربي والإسلام السياسي وتداعياتها على الخليج، وقد كان موقف الدولتين متقارباً.   

الكويت من جانبها، حافظت على توازناتها الداخلية مع الإسلاميين بالكويت، خاصة وأن الكويت تطبق نموذجاً سياسيا "ديمقراطيا" مختلفا عن باقي الدول الخليجية، في الوقت الذي دعمت الكويت النظام المصري الجديد بعد 3 يوليو مالياً وسياسيا وأمنيا، ومنحت الكويت ما لا يقل عن 8 مليارات دولار لمصر في شكل منح وقروض واستثمارات. كما قامت الكويت باعتقال وترحيل بعض المصريين في الكويت بناء على طلب الأجهزة الأمنية المصرية تحت دعوى ارتباطهم بجماعة الإخوان، استنادا إلى اتفاقية قضائية أمنية وقعتها مع مصر في 2016، بشأن الموافقة على التعاون القانوني والقضائي في المواد المدنية والتجارية والأحوال الشخصية والجنائية الجنائية، ونقل المحكوم عليهم بعقوبات سالبة للحرية بين حكومتى جمهورية مصر العربية ودولة الكويت، ولم تفلح كل الانتقادات الحقوقية التي بثّتها منظمة هيومان رايتس ووتش بشأن هذه القضية في تغيير موقف الكويت.

في عمان، أصدر السلطان الراحل "قابوس" عفوا عاما في 1995 عن كل المعتقلين الإسلاميين بالبلاد، في مقابل تخليهم عن العمل التنظيمي في البلاد. ومع اندلاع احتجاجات الربيع العربي عام 2011، لم يكن هناك أي حضور ذي طابع إسلامي منظم في الاحتجاجات العُمانية التي حصلت خلال الشهور الأولى. وفي عام 2014 صدر في الجريدة الرسمية العُمانية حكم إسقاط الجنسية عن "كل عُماني يثبت انتماؤه لتنظيم الإخوان"، ما حمل دلالة واضحة على تأكيد الدولة العُمانية استمرار عدم الترحيب بالتنظيمات الإسلامية، والتعامل معها باعتبارها مصدر تهديد.

جدير بالذكر أيضاً أن أمير الكويت قد أصدر مرسومين أميريين قبل أسيوعين، بالعفو وتخفيف الأحكام على 35 معارضاً، بينهم 11 سياسياً وإسلامياً يعيشون في منفى اختياري في تركيا التي سافروا إليها بعد محاكمتهم في الكويت خلال السنوات العشر الماضية.

في الموقف من إيران، تحافظ الدولتان على علاقات جيدة مع إيران، وإن كانت عمان الأكثر تقارباً معها بحكم الاعتبارات الجغرافية وتشارك الإشراف على مضيق "هرمز". وفي الحرب العراقية الإيرانية، انتهجت مسقط سياسة محايدة، حفاظا على علاقتها بالدولتين. فيما تحاول كل من مسقط والكويت أن تكونا حجز الزاوية في التفاوض مع إيران بشأن القلق الدولي والخليجي من مواقفها. وفي فبراير الماضي، قالت مصادر دبلوماسية في وزارة الخارجية الكويتية نقلا عن وكالة الأناضول، إن الكويت جاهزة لمتابعة وساطتها بين السعودية وإيران حين تتهيأ الظروف الملائمة. وكانت قطر قد دعت عقب اتفاق المصالحة الخليجية الذي جرى في قمة "العلا" إلى حوار خليجي إيراني، الخيط الذي التقطه المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، سعید زاده، وعبّر عن استعداد بلاده للتفاوض مع السعودية إزاء بعض المخاوف التي تنتابها تجاه سياسات طهران. في الوقت الذي أبدت فيه الإدارة الأمريكية بقيادة بايدن، استعدادها لدراسة العودة للاتفاق النووي ومراجعة العلاقات مع إيران. فيما كشفت صحيفة "الجريدة" الكويتية، في يناير الماضي، أن زيارة نائب وزير الخارجية الإيرانية عباس عراقجي إلى الكويت جاءت في إطار مسعى إيراني لطلب توسط الكويت لحل خلافات طهران مع السعودية.

وحسب مصادر إعلامية، تحاول عُمان أيضاً جلب الجولة القادمة من المحادثات بين إيران والسعودية إلى عاصمتها مسقط، وقد كان لعُمان دور في المباحثات السرية مع الدول الأوروبية الغربية لتسوية الملف النووي الإيراني، وفي عام 2011 توسطت للإفراج عن الرهائن الأمريكيين بطهران. ويشهد التعاون الاقتصادي والعسكري بين البلدين نموا متزايدا في السنوات الخمس الأخيرة. ودشنت كل من إيران عُمان، في أبريل 2020، خطاً بحرياً لشحن البضائع بين البلدين، بعدما وصلت أول شحنة تحتوي على 500 طن من الفواكه والخضراوات من ميناء "بندر عباس" بإبران إلى ميناء "الصور" بالسلطنة.

في الموقف اليمني، شاركت الكويت إلى جانب السعودية خلال الحرب الأخيرة ضمن جهود التحالف لإعادة الشرعية، وأرسلت الكويت كتيبة برية ضمن القوات المتعددة، بالإضافة إلى عدد من الطائرات، وفرقة من سلاح الإشارة والرادار والرصد. و استمرت جهود الكويت في حل مشاكل اليمن لم تتوقف خلال الأعوام الخمس الماضية، واحتضنت الكويت في أبريل 2016، جولة  الحوار اليمني الداخلي الثالث، بعد جولتين فاشلتين في سويسرا، ونسقت الكويت عن كثب مع الأمم المتحدة ومع المبعوث الخاص للأمين العام، كما ركزت الكويت على الملف اليمني خلال عضويتها في مجلس الأمن عامي 2018 و2019.

لكن سلطنة عمان لم تشارك في هذا التحالف العسكري حفاظاً أيضاً على مبدأ الحياد الذي تبنته في كل مواقفها السياسية. وخلال السنوات الماضية عملت عُمان بكثافة على تسهيل المحادثات عبر القنوات الخلفية بين أطراف الصراع المختلفة، التي تشمل الجهات الفاعلة اليمنية المحلية والمسؤولين الأجانب من الدول المرتبطة بشكل وثيق بأبعاد الحرب، بما في ذلك الولايات المتحدة وإيران. وتعتبر عُمان بالنسبة للعديد من القوى الفاعلة في اليمن وسيطاً محايداً وجديراً بالثقة كونها الدولة الوحيدة في مجلس التعاون الخليجي التي لم تشارك بأية أعمال ضمن التحالف العسكري بقيادة السعودية. ولعبت عُمان أيضا دوراً رئيسياً في التوسط لعقد محادثات عبر المحادثات السرية بين السعودية والحوثيين عقب الاعتداءات على المنشآت النفطية السعودية في سبتمبر 2019.

في الشأن السوري، قال تقرير لمركز كارنيجي في 2014، أن الكويت عارضت رسمياً تسليح أي من الفصائل  السورية المتحاربة. وكانت مواقفها أقل حدية من السعودية، حسب تعبيره، فيما ركزت الكويت على استضافة مؤتمرات كبيرة للمانحين، وترسيخ مكانتها باعتبارها الراعي الإنساني الأساسي للمضارين بسوريا. وقد هوجمت الكويت في الكثير من المناسبات واتهمت بدعم الفصائل السورية المتطرفة عن طريق أموال التبرعات، الأمر الذي نفته الكويت مراراً، وقامت بتشديد قوانين الدعم والتبرعات والجمعيات الخيرية العاملة على أرضها.

عمان بدورها، أعادت سفيرها إلى العاصمة السورية دمشق في أكتوبر 2020، لتصبح أول دولة في مجلس التعاون الخليجي تقوم بهذه الخطوة، بعدما أغلقت الدول الخليجية بعثاتها الدبلوماسية عام 2012. وقالت مصادر إعلامية في عُمان إن السلطنة حافظت على علاقاتها مع سوريا ولم تقطعها وكان سفيرها يعمل من الأردن لدواعي أمنية فحسب، فيما رأى آخرون حينها أن الخطوة تعكس حالة الانقسام في دول الخليج وغياب اتخاذ قرارات موحدة. وفي مايو الماضي، زار وزير الخارجية العماني السابق، دمشق، حيث أجرى محادثات مع الرئيس السوري بشار الأسد، وكانت زيارته الثانية منذ عام 2011، بعد زيارة أولى قام بها في أكتوبر عام 2015، وهو الوزير الخليجي الوحيد الذي زار سوريا في السنوات التسع الأخيرة.

في هذا السياق يرى الباحثان جورجيو كافيرو، إن تطور العلاقات بين سلطنة عمان ونظام بشار الأسد سيجعل من مسقط لاعباً دبلوماسياً مهما هناك، ولكن عليها التحرك بحذر، وجاء في تحليل نشره بموقع “كارنيغي للسلام” إن السلطنة تبنت استراتيجية الحفاظ على علاقات دبلوماسية مع دول الشرق الأوسط التي تتعرض لعزلة نسبية.

في الشأن الخليجي الداخلي، رحبت السلطنة بالبيان الصادر من دولة الكويت حول النتائج الإيجابية لجهود المصالحة التي سبق أن قادها الأمير "صباح الأحمد". وأثناء الحصار على قطر ظلت سلطة عمان تزوّد قطر بالمواد الغذائية والصادرات المختلفة، من دون أن تصطف إلى أي جانب، كما ساندت الكويت في جهود الوساطة بالتنسيق مع الولايات المتحدة. ولم تستجب سلطنة عمان للضغوط السعودية لخفض مستوى علاقاتها الدبلوماسية والتجارية مع إيران وقطر خلال السنوات الماضية.

 

نحو استثمار النهج المشترك

 

أتاحت هذه المقاربة التي تنتهجها كل من الكويت وعمان، أساساً هاما لتشكيل تحالف عابر للخلافات والاستقطابات الخليجية، وبينما كان البعض ينتقد مسلك الدولتين الحيادي تجاه الصراعات الدولية، بات اليوم يثمّن هذا الدور الذي انتهجته العاصمتين الخليجييتين في تخفيض حدة التوترات بالمنطقة. وبشكل عام، فإن جميع الأطراف تنظر إلى الدولتين كوسيطين ذوي مصداقية وجديرين بالثقة، وأنهما قد تستطيعان أكثر من غيرهما دفع الأطراف المتحاربة للتغلب على السنوات الماضية المتسمة بانعدام الثقة. لذلك يمكن القول أن الكويت وعُمان في موقع جيد الآن لوضع الأسس اللازمة للتفاوض والتوصل إلى تسوية لإنهاء الحرب في اليمن، وقد نجحا في تسوية أزمة قطر نسبيا، بينما تحتاج القضية السورية إلى جهد آخر خاصة مع تشابك القوى الإفليمية ذات الصلة بالقضية مثل روسيا وتريكا وإيران وأمريكا.

حسب "كريستيان كوتس" الباحث في شؤون الشرق الأوسط في معهد بيكر للسياسة العامة، فإن النهج الخارجي للدولتين يختلف كثيراً عن نهج السعودية والإمارات العربية المتحدة الذي يستند إلى القوة فيما يخص الشؤون الإقليمية. ركزت عُمان، خلال حكم السلطان قابوس بن سعيد الذي امتد من عام 1970 حتى 2020، على تسهيل المحادثات بين الخصوم عبر إيصال الرسائل وخلق الظروف الملائمة لعقد الاجتماعات. وأبرز مثال على ذلك هو استضافة عُمان للمفاوضات التي تمت عبر القنوات الخلفية بين إيران والولايات المتحدة خلال عامي 2012 و2013.  أما الكويت فقد ركزت أكثر على لعب دور الوسيط، إذ غالباً ما قام أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد، الذي تولى منصب وزير الخارجية لأربعة عقود من الزمن، بجولات دبلوماسية مكوكية كما حدث في الأسابيع الأولى من الخلاف داخل مجلس التعاون الخليجي عام 2017، في محاولة لرأب الصدع بين السعودية والإمارات من جهة وقطر من جهة ثانية.

في الوقت نفسه لاتزال قضية تحويل مجلس التعاون إلى اتحاد خليجي والتي تقوده المملكة العربية السعودية، محل نقاش وتدافع بين الدول، ترى عُمان أنَّ التصدي لإيران هو السبب الأكثر حضورًا وإلحاحًا وراء طرح مشروع الاتحاد الخليجي كل فترة، وهو التخوف الذي لا تشاطر عمان فيه باقي دول الخليج. وتستحس الكويت الفكرة من حيث المبدأ لانعكاساته الأمنية والاقتصادية الإيجابية على الخليج.

عسكرياً وأمنياً، تشكّل العلاقة الجيدة لمسقط والكويت مع اللاعب الإقليمي الصاعد "تركيا" فرصة جيدة لتنويع التحالفات في المنطقة، ودعم استقلالية القرار، وتقوية منظومة الردع. وتشهد العلاقات التركية مع دول الخليج الثلاث "قطر والكويت وعمان" تصاعدا مستمرا منذ 2017، تكلل باتفقيات تعاون اقتصادية وعسكرين كبيرة بين المحور الخليجي وتركيا.

على الجانب الاقتصادي، مما لا شك فيه أن كلا الدولتين تأثرتا بشكل غير مسبوق بجائحة كورونا واضطراب أسعار النفط، وتتشارك الدولتان تحدي التنويع الاقتصادي والخروج من عباءة الاعتماد الأحادي على النفط، الأمر الذي يجعل التعاون الاقتصادي والتبادل التجاري على رأس أولويات السياسة الخارجية بين الدولتين.

ختاماً، يبقى تساؤل مشروع حول مدى قابلية الرهان على الكويت وسلطنة عمان لقيادة الخليج إلى مرحلة جديدة من التعاون المثمر والريادة الإقليمية وسط بيئة مضطربة تشملها الصراعات والأزمات، وتشّكل جديد لمحاور القوى الإقليمية الصاعدة، بقيادة تركيا وإيران.



المرفقات




المصادر