بيئة الأعمال بالكويت ومستقبل الشركات الناشئة

بيئة الأعمال بالكويت ومستقبل الشركات الناشئة
بيئة الأعمال بالكويت ومستقبل الشركات الناشئة
حجم الخط شارك طباعة

| منذ 2021/12/11 13:12:56

مع التطور الهائل في طبيعة الشركات والأعمال التجارية بالعالم وسيطرة مفاهيم ريادة الأعمال والشركات الناشئة، حاولت الدول العربية والخليجية خاصة مواكبة هذه التطورات المتسارعة، واستطاعت كثير من الشركات التكنولوجية الناشئة في الكويت استقطاب استثمارات خارجية سواء بالتمويل أو الاستحواذ أو الشراكة، حيث مثّلت تلك الاستثمارات حالة إلهام لكثير من الشباب لخوض غمار المنافسة في هذا السوق، وتغيرت بفضلها ثقافة الاستثمار من المشروعات التقليدية إلى المشروعات الريادية، وهو الأمر الذي يطرح معه عدة أسئلة حول مدى جاهزية البنية التكنولوجية والاستثمارية للكويت لاستيعاب وتشجيع هذا النمط من الاستثمار.

 

حسب تقرير لشركة ماغنت "MAGNiTT" فإن الدول العربية سجلت خلال سنوات قليلة ارتفاعاً ملحوظاً في حجم رؤوس الأموال المغامر أو الجريء بلغ إجماليها نحو 691 مليون دولار العام الماضي وتوزعت على 5 دول تصدرتها الإمارات، وشملت مصر والسعودية والأردن ولبنان والكويت والبحرين وسلطنة عُمان. وهو الأمر الذي ينم عن زيادة وعي المستثمرين بأهمية الاستثمار في هذه الشركات والفرص المتاحة فيها.

تتميز الكويت بأن 67% من الـ4.2 مليون ساكن بها من الشباب، ومستوى استخدام وسائل التواصل الاجتماعية يصل الى 96% وهو احدى اعلى المعدلات عالميّاً. الكويت تقود دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منصات مثل Snapchat وInstagram. كما تعد الكويت أغنى سوق بالمؤثرين على الانترنت. ومن هذا المنطلق بدأت الكويت قبل خمس سنوات رحلتها في تمهيد الطريق لجذب رؤوس الأموال وتشجيع الشباب على تحويل الأفكار الريادية التكنولوجية إلى مشروعات فعلية، وأسست الدولة الصندوق الوطني لرعاية وتنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة والذي يوفر قروضاً تصل إلى نحو 500 ألف دينار للشركات المؤسسة حديثاً أو تلك التي بدأ نشاطها التشغيلي.

 

مؤشرات السهولة والتنافسية

قبل عام، أعلنت هيئة تشجيع الاستثمار المباشر أن الكويت سجلت ارتفاعاً في مؤشر سهولة ممارسة أنشطة الأعمال لعام بمقدار 4.80 نقطة إلى 67.40 مقارنة مع رصيد 62.60 في مؤشر 2019 وفق ما أوضحه التقرير الذي صدر عن مجموعة البنك الدولي، حيث جاءت الكويت في الترتيب 83 عالميا من أصل 190 دولة دخلت المؤشر. وأضافت الهيئة في بيانها أن تقرير المجموعة بين أنه كان من نتيجة الإصلاحات أن دخلت الكويت ولأول مرة في قائمة الدول العشر الأكثر تحسنا في بيئة الأعمال في تقرير 2020، ويأتي هذا التحسن نتيجة احتساب مجموعة من الإصلاحات التي تمت خلال العامين الماضيين والتي كان من شأنها الوصول ببيئة الأعمال لأن تكون أكثر سهولة للمؤسسات المحلية التي تمارس نشاطها التجاري في البلاد. وأوضحت أن الإصلاحات تمت في 7 مكونات من أصل 10 مكونات لمؤشر سهولة ممارسة أنشطة الأعمال، أهمها: مكون بدء الأعمال واستخراج التراخيص والحصول على الكهرباء وتسجيل الملكية والحصول على الائتمان والتخليص الجمركي وحماية حقوق المستثمرين

في السياق نفسه، تقدمت الكويت ثمانية مراكز على سلم التنافسية الاقتصادية العالمية ليصبح ترتيبها الـ 46 من أصل 141 دولة، كما تقدمت من الترتيب الـ 38 إلى الـ 12 في ركيزة الصحة، ومن المركز الـ 48 إلى الـ 34 في ركيزة النظام المالي، ومن الـ 62 إلى الـ 37 في ركيزة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، كما حافظت على المركز الأول عالمياً في ركيزة استقرار الاقتصاد المالي. وبذلك تكون الكويت قد سجلت أعلى تحسن في ترتيب المؤشر العام العالمي للتنافسية ضمن مجموعة دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في 2018 و2019. لكن هذا العام أصدر مركز التنافسية العالمي التابع للمعهد الدولي للتنمية الادارية، قائمة ترتيب الدول للتنافسية العالمية لعام 2020، حيث واصلت الكويت الغياب عن القائمة للعام الثاني على التوالي. ويأتي هذا الإصدار ضمن الكتاب السنوي للتنافسية العالمية، الذي يقيس تنافسية الدول عبر أربعة محاور رئيسية وهي الأداء الاقتصادي، الكفاءة الحكومية وفاعلية بيئة الأعمال والبنية التحتية، وتندرج ضمن المحاور الأربعة 346 مؤشرا فرعيا تشمل مختلف الجوانب والعوامل التي تؤثر على هذه المحاور. وذكر التقرير أن 4 دول عربية فقط تمكنت من تحقيق مركز ضمن المؤشر لهذا العام، هي الامارات والسعودية وقطر والأردن. وعلى المستوى الخليجي احتفظت دولة الامارات بالمركز التاسع عالمياً والأول عربياً الذي حققته العام الماضي بين الاقتصادات الأكثر تنافسية في العالم، بينما تراجعت قطر 3 درجات من المركز الرابع عشر الى السابع عشر عالمياً والثاني عربيا بعد الإمارات، كما تراجعت السعودية 8 درجات من المرتبة 24 عالميا إلى المرتبة 32 عالمياً والثالثة عربيا، فيما حقق الأردن قفزة كبيرة متقدما 9 مراكز من 58 بالعام الماضي إلى 49 عالميا ليبقى في المرتبة الرابعة عربيا.

في السياق نفسه، أشارت الدراسة الصادرة عن مجموعة "بيركلي" للأبحاث عام 2017، إلى أن الشركات التي تتخذ من دولة الكويت مقرا لها والتي تستفيد من القوى الشرائية المحلية ليست مستدامة في مرحلة ما بعد النفط ولن تعمل على تنويع الاقتصاد الكويتي ما لم تتوسع عالمياً أو تجذب الإنفاق السياحي نحو الكويت. الدراسة التي جاءت بناء على طلب من مؤسسة الكويت للتقدم العلمي لتقصي الاعتبارات التجارية والاستراتيجية التي تواجه رواد الأعمال الكويتيين عند اتخاذ قرارات بشأن أماكن تأسيس شركاتهم أو تنميتها أو نقل مقر أعمالهم؛ استعرضت المعلومات المتوافرة عن رواد الأعمال والشركات الناشئة في الكويت لفهم التحديات والفرص والاتجاهات الحالية. فبالنسبة للمواطنين الكويتيين تتوافر العديد من الخيارات والسبل لجمع رأس المال اللازم لإنشاء مشروعات ريادية جديدة بما في ذلك المال الخاص حيث يتمتع الكويتيون بأعلى معدلات الادخار على مستوى العالم، وعدد من مصادر التمويل الحكومية وصناعة رأس المال الاستثماري.

لكن على جانب آخر، أقرّت الدراسة وجود بعض الحواجز الهيكلية التي تشمل اهتمام البنوك بالمهارات الإدارية للمشروعات الصغيرة والمتوسطة والنظر إليها باعتبارها مرتفعة المخاطر من حيث إمكانية تخلفها عن السداد، الأمر الذي يؤدي إلى خلق صعوبات في جمع الأموال من أجل التوسع والتنمية، وتأسيسها في الخارج، وبعض المخاوف النموذجية المتعلقة بتواجد ديون على العمل التجاري.

فيما انتقد بعض رجال الأعمال القرار الوزاري رقم 500 لعام 2015، حيث زادت الرسوم الرسمية على طلبات العلامات التجارية في الكويت من التقديم حتى التسجيل من نحو 80 دولاراً إلى حوالي 1035 دولاراً. وهي ما تعادل ثلاثة أضعاف ما تفرضه الولايات المتحدة.

صعود الشركات الناشئة

يوجد في الكويت 60 ألف شركة مسجلة، منها 25 ألف يمكن تصنيفها كمشروعات صغيرة ومتوسطة. ووفقا لنص قانون الصندوق الوطني لرعاية وتنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة، يتم تعريف المشروعات الصغيرة على أن رأس مالها لا يتخطى 25 ألف دينار ويعمل بها ما بين 1 و4 موظفين كويتيين. ويتضمن تعريف الشركة المتوسطة الذي يتراوح رأس مالها ما بين 25 و50 ألف دينار كويتي وتقوم بتوظيف ما بين 5 و50 موظف كويتي.

ويقول خبراء أنه لا تزال هناك صعوبة في تقدير الحجم الحقيقي لمساهمة المشروعات الصغيرة والمتوسطة في الاقتصاد الكويتي بدقة، ومقارنة المشروعات الصغيرة والمتوسطة الكويتية مع المعايير الإقليمية والدولية.

وأعلن الصندوق الوطني، أنه تم تمويل ما يقارب 300 مشروعاً منذ أن بدأ الصندوق عمليات تمويل المشروعات في 2016. حيث يقوم الصندوق الوطني بتصنيف مشروعاته وفقا للقطاعات الأربع التالية: مشروع تجاري (44% من المشروعات التي يتم تمويلها)، مشروع خدمي (32%)، مشروع صناعي (17%)، ومشروع زراعي (8%).

فيما قال البنك الدولي في تقرير عبر موقعه، إن ثلاث شركات كويتية تقع ضمن أهم 100 شركة ناشئة عربية تعمل على تشكيل الثورة الصناعية الرابعة، هي: تطبيق "نبض" للأخبار وشركة "فيش مي" للحجوزات، ونطبيق "صحة تك" للرعاية الصحية. وقال التقرير إن البنك قدم مذكرة إلى هيئة الاستثمار الكويتية حول سبل إصلاح ممارسة أنشطة الأعمال، وتركزت التوصيات حول: تسوية حالات الإعسار، وتسهيل بدء النشاط التجاري، واستخراج تراخيص البناء، والتجارة عبر الحدود، وتسجيل الملكية.

وأبرزت الدراسات السابقة أن المواطنين الكويتيين تتوافر لهم العديد من الخيارات والسبل لجمع رأس المال اللازم لإنشاء مشروعات ريادية جديدة بما في ذلك المال الخاص وعدد من مصادر التمويل الحكومية وصناعة رأس المال الاستثماري الوليدة. وفي الأعوام الأخيرة تم تدشين عدد من شركات التوجيه والإرشاد المسماة بـ"الحواضن" أو "مسرعات الأعمال" وتوفر تدريبات وبيئة عمل جيدة للمشروعات الناشئة. وتعد الكويت دولة استهلاكية، وتمثل القوة الشرائية الكويتية الكبيرة ميزة تنافسية قوية، بما يتيح فرص هائلة لرواد الأعمال لاختبار الخدمات الجديدة والتحقق من صحة الأفكار التجارية ومن ثم العمل على تنميتها خارج الكويت. وقد حققت الكويت العديد من قصص النجاح في الأعوام الماضية.

في نفس السياق، كشفت الرئيسة التنفيذية في شركة زين الكويت عن أن قيمة الاستثمارات في الشركات الناشئة التي قدمها برنامج «ZGI» وصلت إلى أكثر من 6 ملايين دينار، ويملك 30% من خريجي برنامجنا شركات نشطة في الأسواق المحلية والإقليمية، كما قامت 40% من هذه الشركات بجمع رأسمال خاص بها. وتقوم شركة الاتصالات بالتعاون مع كل من مؤسسة Brilliant Lab الكويتية، ومؤسسة Mind The Bridg الاستشارية العالمية إلى توفير بيئة عملية ذات معايير عالمية للشباب لابتكار وتسريع مشاريعهم الصغيرة.

وفي يناير الماضي، أطلق بنك “بوبيان” برنامج “حاضنة بوبيان للأعمال الناشئة” لدعم المشاريع الصغيرة والمبادرات الكويتية الشابة والشركات الناشئة الراغبة في تحقيق تطلعاتها في السوق الكويتية التي تشهد نمواً متزايداً لقطاع الأعمال الخاصة. وهذا العام أيضاً، نجحت شركة "صحتي" للتكنولوجيا الصحية، في جمع 1.3 مليون دولار في جولة ما قبل التمويل الأولي، وقاد هذا الاستثمار كل من "رساميل للاستثمار  وصندوق "تاكين سيت و"دوحة تك أنجيل" إلى جانب عدد من برامج استثمارات الملاك الإقليمية الرائدة. فيما ذكرت مجلة فوربس أن هناك ثلاث شركات كويتية حصلت على تمويل أبرزها تطبيق "كوفي" وهو سوق إلكتروني متخصص في مجال القهوة، ويلعب دور الوسيط بين العملاء وبين كبار المقاهي في الكويت.

بينما جاء في تقرير فوربس لأكثر 50 شركة ناشئة تمويلاً في الشرق الأوسط، أن شركة JustClean قد حصلت على تمويل بقيمة 20 مليون دولار، وهي شركة لغسيل الملابس. وفي 2019، أعلنت  شركة "نلبس" الناشئة المتخصصة في تسويق الأزياء عبر الانترنت، ومقرها الكويت، عن جمع مليوني دولار، في جولة لجذب مستثمرين، وقالت إن قائمة المستثمرين تشمل مجموعات عائلية كبيرة من الكويت ومتمرسين من قطاع الاستثمار آخرين.

 

تمتلك الكويت الفرصة لخلق شركات ناشئة عالمية ذات تأثير كبير، إلا أنه من أجل الاحتفاظ بها في الكويت يجب رعاية وتحسين بعض العناصر الضعيفة في النظام البيئي المحلي لريادة الأعمال. كما يجب أن تتفق البرامج والمبادرات الحكومية لتشجيع ريادة الأعمال وتطوير النظام البيئي بشكل أفضل مع احتياجات الشركات الناشئة.



المرفقات




المصادر