مستقبل العلاقات الكويتية القطرية

حجم الخط شارك طباعة

فريق منظار | منذ 2021/10/13 23:10:30

يمكن وصف العلاقة الثنائية بين دولتي الكويت وقطر بالاستثنائية، إذ تدلل كل المواقف المشتركة بينهما أن التقارب نابع عن إرادة ثنائية واستراتيجية من القيادة السياسية للبلدين؛ تعتبر أن المصالح المشتركة أكبر دائما من اختلاف المواقف المؤقتة. وفي كل أزمة خليجية تتكشف أدلة هذا النهج الذي يزيد العلاقات عمقاً ومتانة.

لم يكن موقف الكويت الإيجابي من أزمة مقاطعة قطر من ثلاث دول خليجية عام 2017، استثناءً في التاريخ. حيث رفضت الكويت الانضمام إلى تحالف المقاطعة واتخذت موقف الوسيط لحل الخلاف، ومنعت التصعيد ضد الدوحة، وفتحت موانئها للسفن القطرية لتخفيف آثار الأزمة، وتكللت جهود الكويت هذا العام بإتمام المصالحة الخليجية بعد شهور قليلة من تولي بايدن الإدارة الامريكية الجديدة.

وخلال مؤتمر صحفي مشترك مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في العاصمة واشنطن في سبتمبر2017 قال الأمير الراحل الشيخ صباح: "المهم أننا أوقفنا تدخلا عسكريا"، الأمر الذي استدعى بيانا مشتركاً من الدول الثلاث بأن "الخيار العسكري لم ولن يكون مطروحا"، وشدد البيان على أن الحوار بشأن تنفيذ مطالبها الـ13 يجب ألا تسبقه أي شروط، هو مالم يحدث في النهاية، حيث تكللت جهود الكويت بالنجاح وتمت المصالحة السعودية القطرية دون قيد أو شرط.

في الذاكرة التاريخية بالمقابل؛ الموقف القطرى من الغزو العراقي للكويت عام 1990، حيث كانت قطر من أوائل الدول التي أدانت الغزو وأرسلت قواتها من الجيش في معركة الخفجي بعد شهور قليلة، في حرب الخليج الثانية لتحارب ضد القوات العراقية التي فتحت الحرب في عدة جهات. وشاركت دولة قطر في تلك الحرب بقوات برية وجوية، شكلت ربع قوتها الإجمالية للجيش وساهمت القوات الجوية القطرية بتنفيذ 60 طلعة جوية، حتى عادت الكويت حرة مرة أخرى وانسحبت العراق.

ترجع العلاقات القوية بين البلدين إلى ما بعد استقلال قطر من الوصاية البريطانية، وشهد عام 1981 أول اتفاقية ثقافية بينهما لإنشاء مركز التراث الشعبي لدول الخليج العربيّة، وفي 1982 وقعّت الدولتان أول اتفاقية اقتصادية. وفي عام 1995 قررت الدولتان السماح للمواطنين القطريين والكويتيين بحريّة التنقل والسفر من وإلى البلدين في جميع المنافذ البحريّة والجويّة والبريّة بموجب البطاقة المدنيّة.، الأمر الذي زاد الروابط الاجتماعية والتجارية بين البلدين. وفي عام 1997 وقّعت الدوحة والكويت اتفاقية ربط شبكتي الصرف الآلي بين البنوك القطريّة والكويتيّة.

وفي يونيو 2002 شكلت الدولتان "اللجنة العليا المشتركة للتعاون" برئاسة وزيري خارجية البلدين لتعزيز وتنظيم العلاقات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية بينهما، وتوالت اجتماعات اللجنة على مر السنوات وحتى الآن. وتكللت هذه العلاقات المتميزة بمنح الأمير حمد بن خليفة آل ثاني قلادة الاستقلال لولي عهد الكويت آنذاك الأمير نواف الأحمد الجابر الصباح في زيارة رسميّة قام بها الشيخ نواف إلى الدوحة في يناير عام 2007.

كما شاركت الكويت بالتهدئة بين قطر ودول الخليج في عام 2014 أثناء أزمة سحب السفراء، قبل 3 سنوات من أزمة المقاطعة الكبرى. وفي عام 2015، حضر أمير قطر الشيخ تميم بن حمد الحفل الذي أقامته سفارة الكويت بمناسبة العيد الوطني الرابع والخمسين بواشنطن.

وشارك أمير قطر العام الماضي في جنازة أمير الكويت الراحل، وتداولت وسائل الإعلام صوراً له وهو في حالة تأثر شديدة، استدعت تعاطفاً شعبياً كبيراً وتقديراً من الكويتيين. وفي فبراير من هذا العام؛ أطلقت قطر على أبرز الطرق الرئيسية لديها اسم"محور صباح الأحمد" تقديرا لمواقفه وجهود الأمير الراحل للمحافظة على أمن واستقرار المنطقة ولم الشمل الخليجي. وقد حضر افتتاح المحور وزير الدفاع الكويتي الشيخ حمد الصباح وأمير دولة قطر الشيخ تميم.

وقبل شهور قليلة، قال السفير الكويتي بقطر "حفيظ العجمي" أنه تم تجديد اتفاقية التعاون في مجال التعليم العالي والبحث العلمي، وقد صدر قرار من وزارة التعليم العالي في دولة الكويت تضمن الموافقة على إيفاد أي طالب كويتي حصل على قبول من إحدى جامعات مؤسسة قطر التعليمية تقديرًا لتميز هذه الجامعات بدولة قطر الشقيقة.

فيما بحث الأمير تميم مع محافظ البنك المركزي الكويتي، العلاقات الثنائية التي تجمع البلدين خلال لقاء جمعهما بالدوحة سبتمبر 2021، وأهدى محافظ البنك المركزي، أميرَ قطر صكّا تذكاريا أصدره البنك احتفاءً بالذكرى الأربعين لتأسيس مجلس التعاون الخليجي.

وقبل أيام هنأ كل من رئيس مجلس الأمة الكويتي "مرزوق الغانم"، والشيخ "مشعل الأحمد الصباح"، ولي عهد الكويت أمير قطر بمناسبة نجاح أول انتخابات تشريعية لمجلس الشورى، خلال اتصالات هاتفية.

 

علاقات اقتصادية متنامية

 

منذ تأسيس اللجنة العليا المشتركة لتنسيق وترتيب كافة أوجه التعاون الاقتصادية والعلمية والثقافية، استمرت الدولتان في توقيع اتفاقيات سنوية لزيادة حجم التبادل التجاري. وفي نوفمير 2020 شهد آخر اجتماع للجنة توقيع 5 مذكرات تفاهم لتعزيز التعاون المشترك، وتضمّنت المذكرات التعاون في مجال تشجيع الاستثمار المباشر، وفي مجال شؤون الخدمة المدنية والتنمية الإدارية، وفي مجال الشؤون الإسلامية بين البلدين، ومذكرة تفاهم للتعاون في المجالات الزراعية، وأخرى بشأن التعاون في مجالات تحسين أعمال تنفيذ وإنشاء وصيانة الطرق. وشهد ميزان التبادل خلال السنوات الأربع الماضية نمواً متسارعاً، وبلغ قبل جائحة كورونا نحو 4 مليار ريال قطري، مقابل نحو 2.3 مليار ريال قبل خمسة أعوام. وكان الخط الملاحي الذي تم تدشينه بين ميناء حمد وميناء الشويخ الكويتي عام 2017، قد لعب دورًا محوريًا في مضاعفة حجم التبادل التجاري، خاصة لنقل المواد الغذائية من وإلى قطر. وكانت الكويت قد أعلنت في أغسطس 2018، عن خط ملاحي بحري منتظم يربط ميناء حمد في قطر بميناء الشويخ في الكويت وذلك من خلال تدشين عمليات إحدى السفن المملوكة للقطاع الخاص التي تنقل البضائع والمسافرين.

تبلغ عدد الشركات الكويتية بالسوق القطري ما يزيد عن 500 شركة، حيث بلغ عدد الشركات الكويتية التي تعمل في قطر أكثر من 200 شركة، وعدد الشركات القطرية الكويتية بلغ 332 شركة. ووفقاً إحصائية لعام 2020، فقد بلغ حجم الاستثمارات المشتركة نحو الـ 7 مليارات دولار أميركي في كل من القطاع العام والخاص في كلا البلدين.

وفي يناير 2020، وقَّعت الكويت، اتفاقية طويلة الأمد مع قطر لاستيراد الغاز الطبيعي المسال لمدة 15 عاماً، تبدأ من 2022 إلى نهاية عام 2036. ووفق الاتفاقية ستبدأ شحنات الغاز الطبيعي المسال بالوصول إلى محطة الاستقبال في مجمع الغاز الطبيعي المسال بميناء الزور، اعتباراً من عام 2022، وذلك لدعم تلبية الطلب المتزايد على الطاقة في الكويت، خاصة في قطاع توليد الكهرباء، وبكميات مرنة تتراوح بين 0.3 و3 ملايين طن في السنة الواحدة. وكانت شركة غاز قطر قد سبق لها توريد النصيب الأكبر من احتياجات الكويت من الغاز الطبيعي المسال، على مدى الأعوام الخمسة الماضية، وذلك من خلال عقد صفقات مشتركة بين "قطر غاز" ومؤسسة البترول الكويتية. حيث شهد شهر فبراير من نفس العام، توقيع شركة "قطر غاز"اتفاقية جديدة طويلة الأمد لتوريد مليون طن من الغاز الطبيعي المسال سنوياً إلى شركة "شل"، وتسليمها لدولة الكويت على مدى 15 سنة تبدأ من هذا العام. وتقضي الاتفاقية بتزويد الكويت بمليون طن من الغاز الطبيعي المسال من مشروع "قطر غاز 4"، و"قطر غاز 4" وهو مشروعٌ مُشترك بين "قطر للبترول" التي تستحوذ على 70% منه، وشركة "شل" التي تمتلك 30 % من المشروع.

كما شهدت الكويت معرض "صنع في قطر" العام الماضي بمشاركة 220 شركة صناعية قطرية عرضت منتجاتها أمام مجتمع الأعمال الكويتي، والذي يعتبر أول معرض لدولة خليجية في الكويت، وفي تصريحات صحفية محلية أكد النائب الأول لرئيس غرفة تجارة وصناعة الكويت أن الاستثمارات القطرية في الكويت تشكل نسبة 40% من الاستثمارات الأجنبية بنحو 4 مليارات دولار، لافتا إلى أن أبرز القطاعات التي يمكن أن تشهد نموا بالاستثمارات هي تكنولوجيا المعلومات وتطوير البرامج، والخدمات البيئية، والرعاية الصحية، وخدمات التخزين والخدمات اللوجستية، والسياحة والفنادق والترفيه.

 

 

وهذا العام كشفت البيانات الربعية التي يصدرها جهاز التخطيط والإحصاء، أن حجم التبادل التجاري بين قطر ودول التعاون الخليجي، عن قيمة التبادل التجاري بين قطر والكويت الذي بلغ نحو 267 مليون دولار، وبلغت قيمة الصادرات نحو 209 ملايين دولار، بينما بلغت قيمة الواردات نحو 58 مليون دولار، ليصل الفائض التجاري بين البلدين إلى 150 مليون دولار.

 

المواقف السياسية تجاه القضايا المختلفة

على الرغم من عمق العلاقات الكويتية القطرية وعضوية البلدين بالجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي والعديد من المنظمات الدولية، إلا أن مواقفهما تجاه القضايا السياسية العالمية والإقليمية تستند إلى استقلالية القرار لكل دولة، واتفقت الدولتان في الكثير من الملفات واختلفت في أخرى، ولم يؤثر نهج أي منهما تجاه التعاطي مع أي موقف، على استمرار تنامي وتصاعد العلاقات المتميزة. وبينما اشتهرت الكويت بمواقفها الحيادية والوسطية تجاه النزاعات والخلافات في منطقة الخليج العربي، كانت قطر تبحث عن أدوار أخرى للوساطة في ملفات دولية وإقليمية، مستثمرة حالة التنسيق الأمريكي في أغلب هذه الملفات.

وفي أغسطس الماضي، قدَّم وزير الخارجية الأمريكي "أنتوني بلينكن"، الشكر لقطر والكويت على جهودهما ودورهما في تأمين وتيسير عملية الإجلاء من أفغانستان، خلال اتصال هاتفي لكل من وزيري خارجية البلدين. كما شكر الوزير الأمريكي دولة قطر على دورها في استمرارية المفازضات مع طالبات خلال السنوات الماضية.

في الموقف من إيران، تقاطعت الدولتين في النهج المشترك للتعامل، وتأسس مجلس التعاون الخليجي بعضوية كل من السعودية وعمان والكويت والإمارات وقطر والبحرين في 1981، بعد توقف الحرب الإيرانية العراقية بهدف بناء منظومة تعاون وتنسيق إقليمية تعمل على حماية أعضائها من المخاطر المستجدة التي تمثلها إيران.

وخلال السنوات الماضية، تجنبت قطر الوصول إلى حالة العداء مع إيران وعرضت الوساطة عدة مرات بينها وبين المملكة السعودية. وبنفس الوتيرة اتخذت الكويت موقفاً متزناً من إيران وأعلنت دعمها لأي حوار خليجي إيراني، على الرغم من أن علاقة الكويت بإيران شهدت العديد من التذبذبات؛ حيث اتهمت الكويت في عام 2011، فيلق القدس الإيراني بالانخراط في نشاط تخريبي في أراضيها، وطردت عدداً من الدبلوماسيين الإيرانيين من الكويت، ومع ذلك قام أمير الكويت بزيارة دولة إلى طهران في عام 2014. وعلى الرغم من أن الكويت أعربت عن دعمها لحق إيران في الاحتفاظ ببرنامج نووي سلمي، إلا أنها وافقت على الامتثال لجميع العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة ومجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على إيران. وشاركت كل من قطر والكويت في حرب التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن ضد الحوثيين المدعومين من إيران.

ترجّح كفة التشابه على الاختلاف عند تقرير علاقة كلا الدولتين بإيران، حيث تعتبر قطر علاقاتها مع إيران أساسية لمصالحها الاقتصادية والأمنية، وتشترك الدولتان في أكبر حقل غاز في العالم، وأتاح الحظر المفروض على قطر في 2017 لإيران فرصة للفوز بعلاقة أعمق مع قطر، من خلال توفير بدائل للصادرات الغذائية المحظورة، كما سمحت إيران للطائرات والسفن القطرية بالدخول إلى أراضيها. وفي نفس الإطار ترى الكويت أن البعد الديمغرافي والمكوّن الشيعي بأرضها عنصرا لا يمكن إغفاله في ترسيم العلاقات مع إيران.

في سياق المواقف السياسية المختلفة بين الدولتين، تبرز قضية الربيع العربي والتعامل مع جماعات الإسلام السياسي داخليا وخارجياً. فقد اختلفت طريقة التعامل مع تداعيات الثورات العربية التي بدأت 2011. تباينات التعامل مع ظواهر الربيع العربي والإسلام السياسي جاءت في ظل عدم وجود رؤية خليجية موحدة تجاهها، حيث اختارت دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية مسارات مختلفة، بعضها شديد التضاد مثل الموقف القطرى أمام الموقف الإماراتي والسعودي، وبعضها متوازن أو أخف حدة في التعامل، مثل عُمان والكويت.

وبينما انطلقت قطر في دعم الحالة الشعبية والتغيير في الدول التي قامت بها الاحتجاجات؛ كانت الكويت أكثر تحفظاً في دعم هذه الحالة. ولعبت قطر دوراً حيوياً في الأشهر الأولى من الربيع العربي، إعلاميا بالأساس عبر شبكة الجزيرة، والتي ساهمت في عمليات التعبئة ومساندة موقف الشعوب على حساب الحكّام، ومساندة الإسلاميين في مطالبهم بهذه الدول.

على الجانب الآخر حافظت الكويت على توازناتها الداخلية مع الإسلاميين بالكويت، خاصة وأنها تطبق نموذجاً سياسياً داخلياً مختلفا عن باقي الدول الخليجية، في الوقت نفسه دعمت الكويت النظام المصري الجديد بعد 3 يوليو مالياً وسياسيا وأمنيا، ومنحت الكويت ما لا يقل عن 8 مليارات دولار لمصر في شكل منح وقروض واستثمارات. كما قامت الكويت باعتقال وترحيل بعض المصريين في الكويت بناء على طلب الأجهزة الأمنية المصرية تحت دعوى ارتباطهم بجماعة الإخوان. كما خاضت بحذر في العلاقة مع تونس في الفترة التي تواجد الإسلاميين على رأس برلمانها.

وفي الموقف من سوريا؛ قال تقرير لمركز كارنيجي في 2014، أن الكويت عارضت رسمياً تسليح أي من الفصائل  السورية المتحاربة. وركزت الكويت على استضافة مؤتمرات كبيرة للمانحين، وترسيخ مكانتها باعتبارها الراعي الإنساني الأساسي للمضارين بسوريا. وقد هوجمت الكويت في الكثير من المناسبات واتهمت بدعم الفصائل السورية المتطرفة عن طريق أموال التبرعات، الأمر الذي نفته الكويت مراراً، وقامت بتشديد قوانين الدعم والتبرعات والجمعيات الخيرية العاملة على أرضها. واشتركت قطر مع الكويت في هذا الجانب الإنساني، حيث تعد قطر من أكبر الدول الداعمة ماليا للأزمة السورية، ووصلت قيمة التبرعات منذ اندلاع الأزمة السورية إلى ملياري دولار، وفق بيان المندوب الدائم لدولة قطر لدى الأمم المتحدة. فيما قال السفير الكويتي لدى أنقرة غسان الزواوي، إن بلاده قدمت للجمعيات والمنظمات السورية في تركيا نحو 16 مليون دولار؛ لدعم اللاجئين السوريين خلال عام 2019، وفق وكالة الأناضول. وفي نوفمبر 2020، أطلق الهلال الأحمر الكويتي حملة مساعدات إنسانية للاجئين السوريين في لبنان شملت 500 أسرة، لمواجهة تداعيات أزمة كورونا الاقتصادية، وفي يناير 2021، أطلقت جمعية "نماء" الكويتية حملة جديدة لدعم اللاجئين السوريين في الأردن وتركيا ولبنان بالشراكة مع عدد من الفرق التطوعية في البلاد.

وعلى الرغم من أنّ قطر كانت أحد أهمّ اللاعبين في الملف السوري منذ انطلاق الثورة السورية، خاصة في سياق دعمها الكبير للمعارضة السورية عسكرياً ومالياً، إلا أنّ الدور القطري انحسر بشكل كبير منذ عام 2016. حيث ساهمت الأزمة الخليجية في انشغال قطر نسبياً عن هذا الملف.

في السياق نفسه، تتفق الدولتان الخليجيتان على ضرورة التمهل في عودة العلاقات الدبلوماسية مع نظام بشار الأسد. وفي مايو 2020، قال وزير الخارجية القطري في تصريح صحفي، إن بلاده لا ترى أي دافع لإعادة العلاقات مع السلطات السورية، مضيفاً أن "موقف دولة قطر واضح تجاه النظام السوري"، متهماً إياه بأنه "يرتكب جرائم في حق شعبه" حسب تعبيره. فيما أعلنت الكويت على لسان نائب وزير الخارجية خالد الجار الله، في 2019، أنها "لا تزال ملتزمة بقرار الجامعة العربية، وأنها ستعيد فتح سفارتها في دمشق عندما تسمح الجامعة بذلك".

مستقبل العلاقات في سياق المشهد الإقليمي الجديد

تشهد منطقة الشرق الأوسط حركة ديناميكية على المستوى السياسي منذ عشر سنوات، ففي الوقت الذي تنازعت فيه الدول الخليحية واتسعت الفجوات بين الدول العربية، كانت هناك قوتان صاعدتان جديدتان في المنطقة هما تركيا وإيران، مستثمرة حالة الفراغ التي خلفتّها الحروب والأزمات. واستطاعت تركيا بناء تحالفات جديدة مع كل قطر والكويت، وهي خطوة في مصلحة البلدين الخليجيتين، لكن مع تولّي بايدن للإدارة الأمريكية الجديدة، وانتهاء الأزمة الخليجية بجهود كويتية أمريكية مشتركة، ومحاولة إعادة المنطقة لما قبل 2011، عبر التفاهمات بين تركيا ومصر وتركيا والسعودية والإمارات، فإن المشهد الحالي مرشح للتغير من جديد في إطار تشكيل علاقات وتحالفت جديدة بناءً على الواقع الجديد.

في هذا الإطار؛ فإن الكويت وقطر يمكنهما استثمار هذه الحالة السائلة لتعميق وتوثيق علاقاتهما والمضي قدماً لتحصين التحالف الخليجي بما يعود بالمصلحة على الشعبين. السياقات والنقاط التالية يمكن أن تشكّل نقاط انطلاق والتقاء في سبيل تطوير العلاقات الثنائية:

• يمكن للكويت وقطر البناء على تطور علاقاتهما بالصاعد الجديد في المنطقة "تركيا" والاستفادة من التوغّل التركي في العديد من القضايا الإقليمية لكسب مساحات جديدة تعود بالنفع على البلدين، على سبيل المثال؛ تشترك كلا من تركيا وقطر بالانتشار والنفوذ الواسع في أفريقيا، وهو الأمر الذي تحتاجه الكويت، ويمكنها الاعتماد والبناء على هذه التجارب الحالية. كما يمكن الاعتماد على تركيا كقوة تفاوضية جديدة في العديد من الملفات العالقة بالشرق الأوسط.

• يمثّل كأس العالم 2022 المزمع عقده في قطر، فرصة تاريخية للتعاون بين الدولتين رياضياً واقتصادياً، عبر مشاركة الكويت في استضافة الوفود القادمة والمشاركة في إدارة كأس العالم في أي من نواحيه اللوجيستية عبر الشركات الخاصة والحكومية، وتقديم الدعم الفني والأمني أثناء الفعاليات.

• تعتبر المواني والسيطرة على طرق التجارة البحرية هي تجارة المستقبل، يتنافس على الملاحة في الخليج العربي ما يقارب 43 ميناء ما بين تجاري وصناعي وثانوي في 9 دول (الكويت، المملكة العربية السعودية، البحرين، قطر، عمان، الإمارات العربية المتحدة، إيران، الهند، باكستان)، ويُقدر حجم الاستثمارات في هذه الموانئ بين 100 مليار و150 مليار دولار حتى 2029، وهذا المبلغ الضخم والعدد الكبير من الموانئ كفيلان بأن يرسما شكل وحجم التنافس المستقبلي للملاحة البحرية في الخليج، فضلاً على أن جميع الموانئ قريبة بعضها من بعض، ما يجعل المنافسة بينها أكثر شراسة. وبينما تطور الآن الكويت موانئها ضمن ركائز مشروع "كويت جديدة 2035" لكنها لا زالت بعيدة عن المنافسة العالمية، في ظل وجود تنافس محموم بين قطر والإمارات، وجاءت الكويت في المركز التاسع لتقرير حركة الحاويات بالموانئ البحرية، الصادر عن البنك الدولي بالتعاون مع مؤسسة CIY بمعدل 0.96 على المقياس، وفي الترتيب 65 عالمياً. يمكن تحويل هذه المنافسة إلى تعاون، عبر تطوير الاتفاقات الثنائية مع قطر وميناءها الحديث "حمد" الذي افتتح عام 2017 ضمن الاستراتيجية القطرية للاستحواذ على 27% من تجارة الشرق الأوسط.

• تعتبر اتفاقيات توريد الغاز بين قطر والكويت خطوة استراتيجية في الاتجاه الصحيح، ويمكن تطوير هذه الاتفاقيات لتشمل مساهمة الكويت في نقل الغاز إلى دول أخرى عبر خطوط برية وبحرية، وعدم الاكتفاء باستيراد الغاز للاحتياجات المحلية. إن تحوّل الكويت إلى محطة عبور للغاز القطري من شأنه أن ينشئ واقعاً جديدا في سوق الطاقة بالخليج وآسيا.

خاتمة

بفضل السياسة الكويتية الخارجية القائمة على التوازن والحياد الإيجابي، وبفضل سياسة قطر الرامية إلى تجاوز التحديات الجغرافية بالتمدد السياسي والاقتصادي ومحاولة حجز مقعد في الوساطات الدولية، فإن الفرص الاستراتيجية للدولتين للنمو الاقتصادي والعسكري تمثّل ميزة نسبية لا تتوفر للعديد من الدول الخليجية. تستطيع الدولتان التمدد في تحالفات إقتصادية وسياسية إقليمية متعددة حتى وإن شابها التناقض، المهم في النهاية أن تنعكس على المصلحة القومية لكل دولة.

لاشك أن الأزمة الخليجية التي انتهت بمصالحة تحتاج وقتاً لترسيخها، قد أثّرت على العلاقات الداخلية لمجلس التعاون الخليجي، للدرجة التي يتوقع فيها العديد من الباحثين والخبراء أن كل دول الخليج في طريقها للانتقال من مرحلة التحالف الكامل والتنسيق ضمن إطار مجلس التعاون، إلى البحث المنفرد عن الأمن والتنمية والحد من المخاطر. الأمر الذي يستدعي إعادة كل دولة لحساباتها الاستراتيجية للتكيف مع الواقع الجديد.