البطالة والتوظيف ومستقبل العمل

البطالة والتوظيف ومستقبل العمل
البطالة والتوظيف ومستقبل العمل
حجم الخط شارك طباعة

| منذ 2021/12/16 18:12:33

لم تكن الكويت استثناءً في التأثر بجائحة كورونا على مستوى سوق العمل والتوظيف، ورغم أن معدل البطالة بها والذي بلغ 2.3% العام الماضي، يعتبر من أقل المعدلات حول العالم، إلا أن التحديات الاقتصادية التي تواجهها الكويت بالإضافة إلى التركيبة السكانية التي تعاني من اضطراب مزمن، جعلت قضية البطالة الوطنية للكويتيين ذات أهمية خاصة وحرجة.

تعتمد الكويت سياسة ثابتة منذ سنوات لتخفيف ضغوط التوظيف في القطاع الحكومي، وهي تقليص القوى العاملة الأجنبية من أجل الحد من فاتورة الإنفاق على الأجور ودعم توظيف الكويتيين بدلا من الأجانب، إلا أن هذه السياسة لا تزال تعاني من بعض الصعوبات، مثل القضاء على البطالة المقنعة وربط عمليات التوظيف بالمعايير التنافسية في الأداء والتكامل مع احتياجات سوق العمل، وتدريب الخريجين على بعض المهن التي قاطعها الكوتيتيين منذ زمن بعيد. بينما تعاني الكويت من تشبع القطاع العام، مع عجز القطاع الخاص على خلق فرص عمل جديدة، الذي يترواح بين 4 و5% فقط على الرغم من التسهيلات والدعم الحكومي للقطاع.

وكانت مجلة "ميد" قد ذكرت في تقرير لها، أن اعتماد الكويت المفرط على النفط عزز التباين الإقليمي داخل دول مجلس التعاون الخليجي ذات الاقتصادات المزدهرة، حيث تسببت "شدة الاعتماد الاقتصادي على الهيدروكربون إلى إثارة القلق بوجه خاص في كل من الكويت وعمان" حسب تعبيره. جاء ذلك في تحليل مؤشر الانتعاش الاقتصادي من تداعيات فيروس كورونا الذي أعدته المجلة، والذي يكشف عن فجوة حادة في احتمالية النتائج الإيجابية لما بعد الوباء، وقد حلت الكويت في المركز السابع إقليمياً والأخير خليجياً على المؤشر بواقع 2.7 نقطة على نحو يكشف التأثير العميق للأزمة العالمية على المنطقة، وتعتبر أرقام البطالة المتزايدة في جميع الدول تقريبا، بما في فيها دول الخليج ذات معدلات البطالة المنخفضة تاريخياً من بين المؤشرات الأكثر إثارة للقلق، بالإضافة لارتفاع التخفيضات بالتصنيفات السيادية الإقليمية من قبل وكالات التصنيف العالمية. فيما احتلت الإمارات والسعودية المركزين الثاني والثالث بواقع 3.8 نقاط و3.3 نقاط على التوالي تليهما البحرين ومصر في المركزين الرابع والخامس بواقع 3.2 نقاط و3.1 نقاط على التوالي. وتحتفظ هذه البلدان الخمسة في بمراكزها على قمة ترتيب مؤشر التعافي دون تغيير عن المؤشر السابق الصادر في عام 2020.

من جانبها؛ قالت منظمة العمل الدولية إن واحد من كل ستة شباب توقف عن العمل منذ ظهور وباء كورونا، بينما نقصت ساعات عمل الآخرين 23%، وجاء في تقرير "مرصد منظمة العمل الدولية: كوفيد 19 وعالم العمل"، أن الشباب أكثر من تضرر من الوباء، كما كانت "النساء" أكثر تأثرا وأعلى نسبة في البطالة. وفي تفاصيل التقرير قال إن الوباء شكّل صدمة ثلاثية الأبعاد للشباب، فهو لا يقضي على وظائفهم فحسب، بل ويعطل التعليم والتدريب أيضاً، ويضع عراقيل كبيرة في طريق الساعين إلى دخول سوق العمل أو تغيير وظائفهم.

 

 

البطالة المقنّعة

 

جريدة القبس المحلية، كشفت عن دراسة برلمانية قُدمت مؤخراً عن فشل كل الإجراءات والسياسات الحكومية منذ 5 سنوات للقضاء على مشكلة البطالة، وأكدت عبر مصدر حكومي أن عدد منتظري الوظيفة المسجلين في ديوان الخدمة المدنية بلغ 14891 مواطناً ومواطنة، في حين أن عدد الفرص الوظيفية المطلوبة من وزارات الدولة 17408. مشيرا إلى أن البطالة المقنعة بلغت 79%. وأوضحت الدراسة أن واقع معدلات النمو والتركيبة السكانية يؤكد أن سوق العمل تنتظره أعداد لا تقل في المتوسط عن 29 ألف طالب عمل كويتي سنويا خلال السنوات الخمس المقبلة.

لكن الإحصائيات الرسمية الأخيرة لهيئة الإحصاء الكويتية قالت أن عدد البطالة بلغ في يونيو الماضي 7668 من الجنسين.

 

 

 

 

وأظهرت إحصائية أخرى للهيئة عدد موظفي القطاع الحكومي، والذي بلغ من المواطنين عدد 323358 وبلغ للوافدين عدد 97515، حسب الجدول المرفق.

وحسب بحث لمركز الخليج العربي للدراسات والبحوث، حول سياسات التوظيف في الكويت في مرحلة ما بعد جائحة كورونا والتراجع المحتمل لأسعار النفط، قالت الدراسة إنه من المرجح أن يعتمد الجهاز الحكومي سياسات انتقائية أكثر صرامة في توظيف القوى العاملة المهرة من أجل رفع القيمة المضافة للعمل الحكومي وتنمية دوره في خلق وتنويع إيرادات الدولة وترشيد فاتورة الأجور المرتفعة. مشيرة إلى أن القطاع الحكومي بات يواجه تحديات ضخمة ومتراكمة خاصة فيما يتعلق بتضخم الإنفاق على الرواتب مقابل محدودية النجاعة والأداء وتراكم مديونية المؤسسات الحكومية. وقد يكون إصلاح بروتكول التوظيف في الجهات الحكومية أهم معضلة في علاقة السلطتين التنفيذية والتشريعية في المدى القريب بالنظر لعوامل متداخلة وتدخلات سياسية في سياسات التوظيف في الجهاز الحكومي، حسب توقعات الدراسة.

وتعتبر البطالة المقنعة أحد المشاكل التي تواجه القطاع العام في الدول الخليجية والكويت خاصة، حيت تعتبر توظيف وهمي يتقاضى الموظفون رواتب مقابل "عمل" أو "دوام" سواء كان ذا إنتاجية أم لا، وهو ما يؤدي إلى المساهمة في تشجيع الفساد وزيادة تكلفة الإنفاق الحكومي المرتفع على الأجور مقابل إنتاج محدود.

وعلى الرغم من أن هذه الظاهرة لا تنسحب على جميع الموظفين، إلا أنه برزت الحاجة إلى صياغة ثقافة وظيفية جديدة من أجل تعزيز التخصص ومعيار الكفاءة. ويرى الخبراء أن أي تعديلاً جذرية في ثقافة الدولة للتوظيف لا يمكن أن ينجح دون مراجعة والتداخل مع الجانب السياسي والقبلي والنيابي في سياسات التوظيف في القطاع الحكومي ودعم مسارات تعميم الامتحانات التنافسية للمترشحين للوظيفة الحكومية، وتعديل معايير ترشيح ديوان الخدمة المدنية للمنتدبين في العمل الحكومي

من وجهة نظر أخرى، قال رئيس اتحاد الصناعات الكويتية "حسين الخرافي" في تصريحات صحفية إنه لا يوجد بطالة في الكويت، بل يوجد عاطلين "محجمين عن العمل"، حيث أن الكثير منهم انتظروا عدة سنوات، وكان بإمكانهم أن يعملوا خارج إطار التوظيف الحكومي لكنهم وفضّلوا الانتظار، بينما تستقبل الكويت سنويا آلاف الوافدين على وظائف محددة، مضيفا أن الدولة قدمت خيارات للشباب منها الصندوق الوطني لدعم المشاريع الصغيرة من البنك الصناعي.

جدير بالذكر أن حكومة الكويت أصدرت في إبريل 2013، قانون رقم (98) بخصوص إنشاء "الصندوق الوطني لرعاية وتنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة" والذي يهدف إلى دعم الشباب ومحاربة البطالة وتمكين القطاع الخاص لتحقيق النمو الإقتصادي في دولة الكويت. وجاء في قرار الإنشاء أن الصندوق مؤسسة عامة مستقلة برأس مالي قدره مليارين دينار كويتي، تُطور وتُمول المشاريع الصغيرة والمتوسطة المُجدية والمملوكة من قِبل كويتيين بنسبة تصل إلى 80% من رأس المال. وتتمحور رؤية الصندوق في بناء مجتمع ريادي يُحفّز أصحاب المشاريع على الإبداع ويُحقق فرص التنمية الإقتصادية في دولة الكويت.

 

تحديات وأثار متراكمة

 

في تحليله لأهم تحديات إصلاح منظومة التوظيف، قال مركز الخليج العربي للدراسات والبحوث في دراسته المذكورة، أن هناك ما أسماه "محدودية تنسيق" بين مخرجات المؤسسات التعليمية والتدريبية وفرص العمل المتاحة في الجهات الحكومية، حيث تشكو مؤسسات حكومية من محدودية أداء وتخصص المنتدبين من ديوان الخدمة في العقود الماضية، حيث انتشرت بين بعض الموظفين ثقافة “الحضور الشكلي” في المؤسسة الحكومية دون الالتزام بتقديم قيمة مضافة في العمل. وهو ما أثر على ضعف المساهمة التنموية للإدارة فضلاً عن التسبب في استشراء الفساد الإداري بسبب رواج ثقافة الإفلات من العقاب والواسطة والمحسوبية.

وفي دراسته التاريخية بعنوان "قضية التوظيف في المجتمع الكويتي"، قال الدكتور "فريح العنزي"، المستشار الاجتماعي بمجلس الأمة إن النتائج الاجتماعية المترتبة على سياسة الدولة في التوظيف الحكومي هي أصل مشاكل دولة الكويت الاقتصادية والمجتمعية، ملخصاً أهم هذه الآثار في:

 

• العزوف عن الأعمال اليدوية والمهارية، وخاصة في الأنشطة الخدمية، واحتكار العمالة الوافدة لها بسبب إحجام الكويتيين عنها والنظر لها بنظرة دونية.

• الإسراف والنزعة الاستهلاكية لدى المواطنين، وتخطّي الإنفاق العائلي أحيانا معدل الدخل.

• ارتفاع أعباء خدمة الأسرة، واعتماد العائلات على الأيدى العاملة الوافدة في الكثير من المناحي، مما زاد من الأعباء المالية لكل أسرة.

• غياب الخطاب الإعلامي التوعوي الذي يساعد المواطن على فهم قيمة العمل والانتاج في عملية التنمية.

 

فيما أكدت دراسات أخرى على أن الخطوات الأولى في تحسين مستقبل العمل والتوظيف بالكويت في ظل تأثيرات جائحة كورونا، يجب أن تشمل العديد من المحاور مثل:

 

1. تحسين منهجية الربط بين مخرجات التعليم وحاجة سوق العمل كماً ونوعا في مختلف التخصصات.

2. التدريب والتأهيل على العمل الفني والمهني واليدوي للخريجين والتوعية بأهميته للفرد والمجتمع.

3. إعادة النظر في البرامج والمقرارات والأنظمة المختلفة للتعليم بما يتوافق مع المعايير المهنية العالمية، مع تشجيع إنشاء الجامعات الأهلية التي تستجيب أسرع لمتطلبات السوق الوطني والإقليمى من العمالة الفنية المدربة

4. وقف التعيين في الادارات الحكومية حتى يتم الانتهاء من برنامج للقضاء على البطالة المقنعة في الجهاز الحكومي، وقصر التعيينات الجديدة على الإحلال محل المستغني عنهم من العمالة الوافدة والمتقاعدين والمستقيلين ومن في حكمهم .

5. اعتماد لوائح عمل تربط الترقي الوظيفي بمعايير واضحة في الأداء والإنتاج، وتشجيع التقاعد المبكر لإتاحة فرص أكبر للشباب.

6. رفع الحد الأدنى للأجور بالقطاع الخاص، وتشجيع الاسثمارات الخاصة وتأهيل الخريجين لاختراق سوق الأعمال الناشئة "Startups",

7. سد الفجوات التشريعية التي ساهمت في التغاضي عن الأسواق الوهمية وتجارة الإقامات.



المرفقات




المصادر