مكافحة الفساد بالكويت: عودة إلى الضوء مرة أخرى

مكافحة الفساد بالكويت: عودة إلى الضوء مرة أخرى
مكافحة الفساد بالكويت: عودة إلى الضوء مرة أخرى
حجم الخط شارك طباعة

فريق منظار | منذ 2021/10/19 19:10:14

قالت وكالة "انتيلجنس أون لاين" لاستخبارات الصحافة؛ أن وزارة الخارجية البريطانية أبرمت عقدا وصفته "بالاستراتيجي" مع الشركة البريطانية Global Partners Governance (GPG) لتقديم الدعم الاستشاري لهيئة مكافحة الفساد الكويتية "نزاهة" قبل أسبوعين. وأضافت الوكالة في تقريرها الذي ترجمه مركز "منظار" أن قضية الرشاوي المتعلقة بصفقة شراء طائرات إيرباص بالكويت ستكون على رأس القضايا التي ستتعاون فيها الشركة مع هيئة نزاهة.

تعود قضية الإيرباص إلى عام 2014، عندما طلبت الخطوط الجوية الكويتية عدد 15 طائرة من طراز "320 نيو" و10 طائرات طراز "إيرباص 350"، وفي أكتوبر 2018، تم تعديل العقد ليشمل شراء 28 طائرة جديدة تتسلمها الشركة الكويتية تدريجياً حتى عام 2026. ولم تثر الصفقات حينها أية شكوك، لكن اتفاق التسوية الذي وقعته "إيرباص" أمام محكمة بريطانية في يناير 2020، والذي قضى بدفع 3.6 مليار يورو كغرامات لبريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة لإغلاق تحقيقات فساد ضد الشركة، فتح الباب للتحقيق في أنشطة الشركات وصفقاتها المبرمة في الكويت، ما دفع هيئة مكافحة الفساد في فتح تحقيق في أمر طلب شراء 30 طائرة هليكوبتر من طراز H225M Caracal عام 2016 من شركة إيرباص. وكان الرئيس التنفيذي للشركة "غيوم فوري" قد أعلن العام الماضي عن خسائر تكبّدتها الشركة خلال 2019 بقيمة 1.36 مليار يورو، بسبب الغرامات التي دفعها في قضية الفساد، وأعباء جديدة تقدر بـ1.2 مليار يورو لبرنامج تطوير طائرة شحن عسكرية من طراز إيه 400 إم.

وتشير وثائق القضية، إلى تورط مسؤولين في تلقي رشاوى في كل من "النمسا وماليزيا وسريلانكا وكولومبيا وإندونيسيا وتايوان وغانا"، وهناك دول أخرى يتم البحث في احتمالية وجود شبهة "رشاوى" بها، وهي "الصين واليابان والبرازيل وتركيا والكويت"، وبعد ورود اسم الكويت في حكم محكمة كراون كورت البريطانية، تفاعلت القضية بصورة واسعة محلياً،  وأعلن مجلس الأمة الكويتي، تشكيل لجنة برلمانية للتحقيق في القضية داخل الكويت وإذا ما كانت قد تضمنت شبهات فساد أو رشاوى مالية. وما زاد الأمر تعقيداً بخصوص هذه القضية أن صفقة طائرات "الكاراكال" أثارت مسائل تتعلق بأمن البلاد، وسلامة طياريها، بعد الكشف عن وجود خلل فني، وثبات عدم صلاحية طائرتين تمت تجربتهما، قبل تسلمهما رسميا من الشركة المصنعة.

ومن المتوقع أن تبدأ شركة GPG بالتعاون مع وزارة الخارجية البريطانية عملها في غضون أيام لتقديم الدعم الفني والاستشاري لهيئة مكافحة الفساد الكويتية في عدة قضايا فساد معقدة وحساسة، حسب وكالة "أنتليجنس" الاستخبارية، وتقدم شركة GPG العديد من الاستشارات لدول مثل مصر والأردن والعراق وليبيا، وهي توظف عددًا من الدبلوماسيين وأعضاء البرلمان السابقين، مثل "أليستير بيرت" وزير الدولة السابق للشرق الأوسط بالحكومة البريطانية، وكذلك وزير الدفاع السابق "نيك هارفي"، والمستشار الخاص السابق "لبيتر هاين" وزير الخارجية السابق في عهد "توني بلير".

وفي فبراير 2020، وافق أعضاء البرلمان الكويتي الأربعاء على تشكيل لجنة للنظر في طلبيات البلاد من طائرات إيرباص والتي تشوبها شبهة فساد، وكُلفت اللجنة البرلمانية المتكونة من ثلاثة أعضاء "صالح عاشور وبدر الملا وخليل الصالح" بمراجعة طلبيات إيرباص على أن ترفع تقريرا بالنتائج التي تتوصل إليها لمجلس الأمة في غضون ثلاثة أشهر. وقالت الهيئة العامة لمكافحة الفساد الكويتية (نزاهة) إنها مستعدة لتلقي أي معلومات عن مزاعم بدفع رشاوى لتأمين الحصول على طلبيات طائرات من إيرباص شملت أطرافا كويتية. وطلب مجلس الأمة كذلك من وزارة المالية مراجعة صفقات الطائرات الأخيرة التي شاركت فيها الخطوط الجوية الكويتية.

لكن في سبتمبر الماضي، أعلنت لجنة التحقيق البرلمانية إلى عدم وجود شبهات رِشا تتعلق بالخطوط الجوية الكويتية، مبينة أن الشبهات تنحصر في صفقات عسكرية تتعلق بطائرات هليكوبتر. وقالت اللجنة، في تقريرها الذي أحالته إلى مجلس الأمة، أن تقرير بيان مكتب الشؤون العامة بوزارة العدل الأميركية، وتقرير مكتب الاحتيال البريطاني، لم يوردا اسم الكويت كدولة فيها شبهات فساد، موضحة أن "الكويتية" وضعت نفسها موضع عدم القدرة على التفاوض مع الشركة الأوروبية.

وفي تفاصيل التقرير، أن "إيرباص" رفضت طلب "الطيران الكويتية" استبدال طائرات 350 بـ 321، وفي الوقت نفسه عرضت الأولى عليها عام 2018 خياراً لا يمكن رفضه، وهو استبدال طائرات 350 بـ 330-800، حيث كانت الدراسات تؤكد أن الطائرات الكبيرة ليست بذات جدوى مثل الصغيرة، وأشار إلى أن الشركة الكويتية تسرعت في إبرام عقود التجهيز قبل ورود موافقة الشركة الأوروبية أدى إلى إهدار 215 ألف دولار. ورأت أن المبالغ التي حصلت عليها الشركة من "إيرباص" بسبب تأخير وصول الطائرات الثلاث لا تتناسب مع قيمة ما لحق بها من أضرار، معتبرة أن صفقة استبدال 5 طائرات من نوع إيرباص 350 بثماني طائرات من نوع 330-800 غير موفقة كماً وكيفاً؛ لعدم وجود طلب عالمي عليها من الشركات، فضلاً عن صعوبة إعادة بيعها بسعر مناسب.

وانتهى تقرير اللجنة بتقديم توصية بتكليف الهيئة العامة لمكافحة الفساد بمتابعة الأمر دولياً مع الجهات المختصة وتبادل المعلومات، كما أشار التقرير إلى أن الشبهات انحصرت في صفقات عسكرية تتعلق بطائرات هليكوبتر، في 2017 والتي أعلن نائب رئيس الوزراء الكويتي حينها إحالة القضية إلى هيئة "نزاهة" للتحقيق في شبهة فساد شابت الصفقة التي اشترت بموجبها الكويت 30 مروحية عسكرية فرنسية بقيمة 1.1 مليار دولار في 2016.

توقيع العقد الاستشاري والتعاون بين شركة GPG ووزارة الخارجية البريطانية والحكومة الكويتية، أعاد تسليط الضوء مرة أخرى على قضايا الفساد بالكويت وطريقة مكافحتها. وعلى مدار السنوات الخمس الماضية، تعرضت الكويت لاهتزاز صورتها الإعلامية العالمية، بسبب الانتقادات الدولية التي رافقت انتشار أخبار عن عدة قضايا فساد داخلية، بعضها يخص مسئولين بالحكومة، الأمر الذي أدى إلى تنامي التركيز الإعلامي والدولي على دولة الكويت، بالإضافة إلى تدقيقات منطمة الشفافية الدولية، وهو التركيز الذي صاحاب تراجع ترتيب الكويت في مؤشرات مكافحة الفساد على مدار أعوام عديدة، قبل أن يعاود الصعود العام الحالي بسبب الإجراءات التي أعلنتها الحكومة عبر هيئة مكافحة الفساد "نزاهة".

وتقدمت الكويت بمركز واحد خليجياً في مؤشر الفساد الصادر من منظمة الشفافية الدولية لعام 2020، وتقدمت سبع مراكز دولياً ومركزين عربياً، وتبذل هيئة مكافحة الفساد في الكويت، جهودا حثيثة من أجل تحسين سمعة الكويت وترتيبها عالمياً إثر تفجر عدة أزمات متعلقة بالفساد الفترة الماضية، أبرزها قضية جلب العمالة المتورط فيها النائب البنجلاديشي، وقضية تزوير شهادات الدراسات العليا، وقضية الصندوق السيادي الماليزي، وقضية رشاوى القضاة والمحامين، وغيرها.

وفي أغسطس 2020، كشف تقرير لمركز كارنيجي الأمريكي، أن قضية الفساد في الكويت تحتل مرتبة متقدمة في الانتقادات الموجهة للمؤسسات والشركات بالدولة، حيث برزت كل من الواسطة والمحسوبية والتزوير والاختلاس كمظاهر أساسية للفساد. فيما ذكر تقرير صادر عن صندوق النقد الدولي في 2018، تحت عنوان "تعزيز النمو والشمول في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا" أن الكويتيين هم أكثر من ذكر الواسطة بين شعوب الخليج كشرط مسبق للحصول على وظيفة، فيما احتلوا المرتبة الثالثة في هذا المجال بين شعوب الشرق الأوسط. وأضاف التقرير أن "المحسوبيات" متوغّلة أيضاً في القطاع النفطي الحيوي في الكويت، وفي التوزيع غير القانوني للأراضي الزراعية التابعة للدولة.

وبينما أشاد المراقبين بجهود الحكومة تجاه تتبع الفساد، معتبرين أن التحقيق مع وزراء ومسئولين وأعضاء في العائلة الحاكمة في بعض القضايا المثارة؛ دليلاً على الجدية في مكافحة الفساد، ومؤشراً هاماً على سلوك الدولة مرحلة من الحزم ضد ظاهرة الفساد دون استثناءات. في إشارة إلى ما يعرف باسم "قضية الصندوق السيادي" التي فتحت الحكومة تحقيقاً فيه في مايو 2020، والتي تورّط فيها عدد من الكويتيين منهم نجل رئيس الوزراء السابق "جابر المبارك" ووزيري الداخلية والدفاع السابقين. وتعود فصول هذه القضية إلى عام 2018 عندما رفع أحد البنوك الكويتية بلاغاً إلى وحدة التحريات المالية على خلفية تحويل مصرفي بقيمة 17 مليون دينار قام به مواطن كويتي لصالح حساب مرتبط بقضية الصندوق الماليزي، في نفس الوقت الذي قدم أحد فروع البنوك الأجنبية العاملة في الكويت أربعة بلاغات تتعلق بتضخم حساب "صباح جابر المبارك" المصرفي مع تجاوز قيمته المليار دولار، وبالتوازي مع اعتقال سلطات ماليزيا رئيس الوزراء السابق نجيب عبد الرزاق على خلفية قضايا فساد كبيرة، تتمثل في سرقة أموال صندوق الثروة السيادي. وكان من بين أبرز شركاء عبد الرزاق في قضية السرقة رجل الأعمال (تايك جو لو) الذي صدرت بحقه مذكرات توقيف في أكثر من بلد، من ضمنها ماليزيا والولايات المتحدة، بإجمالي مبالغ مختلسة وصلت إلى أكثر من 680 مليون دولار، واستطاع زيارة الكويت مرتين والتنسيق مع المتهمين لإجراء عمليات استثمار وهمية كغطاء لعملية غسيل الأموال.

هذه القضية التي هزّت الرأي العام وتعاملت الحكومة معها بحذر؛ أوحت إلى المراقبين بأن الحكومة جادة في مسألة تحجيم الفساد. لكن على الجانب الآخر، يعتقد البعض الآخر أن مسار تتبع الفساد ومعاقبة مرتكبيه ليس سوى علاج مؤقت لأمراض كامنة في المؤسسات والنظم اللائحية المنظمة لها، وأن قطع خطوط الإمداد وسد الثغرات التي يلج منها الفساد هو الأهم والأكثر تأثيرا على المدى الطويل، خاصة وأن انتشار الفساد يشكّل عائقاً​ كبيراً أمام​ جذب​ الاستثمارات​ الأجنبية​ وتحقيق العدالة الداخلية، وتقوية أجهزة ومؤسسات الدولة وإشاعة مناخ الثقة، وهي الأمور التي هزت صورة الكويت عالمياً خلال السنوات الماضية.