المشهد السياسي في الكويت: المأزق والسيناريوهات

المشهد السياسي في الكويت: المأزق والسيناريوهات
المشهد السياسي في الكويت: المأزق والسيناريوهات
حجم الخط شارك طباعة

فريق منظار | منذ 2022/03/03 19:03:25

في تطور سريع وغير متوقع، أعلن كل من الشيخ "حمد جابر الصباح" وزير الدفاع، والشيخ "أحمد المنصور" وزير الداخلية، الأسبوع الماضي استقالتهما من مجلس الوزراء بعد أيام من سلسلة استجوابات برلمانية استهدفت كل من وزير الدفاع ووزير الخارجية، وتهديدات باستجواب رئيس الحكومة بعد أسابيع قليلة فقط من تشكيل حكومته.

وأعلن الناطق الرسمي باسم الحكومة "طارق المزرم" صدور مرسوم أميري بقبول استقالة وزيري الدفاع والداخلية، فيما قضى المرسوم بتكليف وزير الخارجية الكويتي بحقيبة وزارة الدفاع بالوكالة، كما كلف وزير النفط الكويتي "محمد الفارس" بتولي وزارة الداخلية بالوكالة. وتزامنت استقالة الوزيرين مع تجديد مجلس الأمة الثقة في وزير الخارجية الشيخ "أحمد ناصر المحمد"، بعد تصويت على استجواب يتهم وزارته بـ”التخبط الإداري”،

ونشرت وسائل إعلام محلية تصريحات للوزيرين عن أن استقالتهما ناجمة عن “استحالة للعمل وتحقيق الإصلاحات والتطوير الذي يستحقه الشعب الكويتي”، ووصف الوزيران واقع الساحة السياسية في الكويت بـ”المحزن”، وأنه “جاء نتيجة تراكمات وإخفاقات تاريخية على مستوى السلطتين التنفيذية والتشريعية". وقال وزير الدفاع “لقد أقسمنا على المحافظة على المال العام وقمنا باتخاذ خطوات إصلاحية وقانونية، ولكن لا يمكن أن ننجز في هذه الأجواء وكأن المطلوب هو الفشل وليس الإنجاز"، وأضاف “الاستجوابات حق دستوري ولكن وجدت نفسي ومعي باقي الوزراء غير قادرين على تحقيق طموحات أبناء الشعب الكويتي، الممارسات النيابية تعطلنا من أجل تحقيق طموحات الشعب”، مؤكدا: “قررت الاستقالة لأنني جئت للإنجاز والعمل ولدي خطة إصلاحية، لكن لا يمكن تنفيذ ذلك في هذه الظروف”.

وكثّف نواب المعارضة من استجواباتهم لأعضاء الحكومة في الأسابيع القليلة الماضية، فبعد أن صوّت المجلس بمنح الثقة لوزير الخارجية، قدم النائب "عبدالله المضف" استجوابا جديدًا لوزير الأشغال العامة "علي الموسى" بسبب ما أسماه "مخالفات في هيئة الزراعة"، ويعد هذا ثالث استجواب في 6 أسابيع. وفي نهاية يناير الماضي، واجه وزير الدفاع استجوابا لسحب الثقة منه لأسباب أبرزها قراره إلحاق النساء بالجيش، لكن النواب صوتوا لصالحه في النهاية.

تصعيد المعارضة داخل مجلس الأمة، جاء على الرغم من الحوار الوطني الذي أقره أمير الكويت، الشيخ نواف الأحمد الصباح، نوفمبر الماضي، والذي نتج عنه عفوا أميرياً عاد معه عدد من المعارضين والنواب بالخارج إلى البلاد، مع وعد بإعداد قوائم جديدة للعفو.

وشهدت الجلسة الأولى للحكومة الكويتية التي عقدت في مطلع يناير، توترات كبيرة، حيث نشبت خلافات ومشاجرات بين النواب والوزراء، وانسحب 13 نائباً وقت أداء الحكومة لليمين الدستورية اعتراضاً على تشكيلها. فيما هدد النائب "حمدان العازمي" بتقديم استجواب لرئيس الوزراء، إذا لم تصرف مكافأة للصفوف الأمامية، وقال في تغريدة له عبر حسابه في تويتر، في 30 يناير الماضي: "يبدو أن هذه الحكومة لا تأتي إلا بالضغط، لذا سنستمر في التصعيد حتى تقر كل القوانين الشعبية أو ترحل الحكومة".

ويعد الاستجواب حقاً لعضو مجلس الأمة لتقصي الحقائق ومراقبة أداء السلطة التنفيذية، حيث كفل الدستور الكويتي هذا الحق في المادة 100 منه، التي تنص على أن "لكل عضو من أعضاء مجلس الأمة أن يوجّه إلى رئيس مجلس الوزراء وإلى الوزراء استجوابات عن الأمور الداخلة في اختصاصاتهم"، وعادة ما تتسبب الاستجوابات النيابية في اضطراب جدول أعمال الحكومة، وتستغرق 10 أيام على أقل تقدير وقد تمتد لأكثر من ذلك، وهو الأمر الذي تراه الحكومة تعطيلا لها في وقت تسعى فيه لإقرار عدة تشريعات تتعلق بالوضع الاقتصادي والسير قدماً في الإصلاحات المالية المرتبطة. وكان مجلس الأمة قد نشر تقريرا على موقعه الالكتروني حول تاريخ الاستجوابات البرلمانية بداية من عام 1963 حتى بداية عام 2021، والتي بلغت 119 استجواباً.

الصراع المستمر بين مجلس الأمة والحكومة وضع البلاد في مشهد سياسي متأزم، من شأنه أن يعقّد الأوضاع أكثر ويعطّل مسيرة الدولة في تحولاتها الاقتصادية والاجتماعية التي تأملها.

بدأت التجربة البرلمانية بشكلها الرسمي الدستوري في مطلع الستينيات من القرن الماضي عندما اعتمدت الكويت أول دستور مكتوب وأنتخبت أول مجلس أمة بالإقتراع السري المباشر، وبعده انتخب الكويتيون 18 مجلس أمة وشهدوا حلاً وتعطيلا لعشر مجالس كان آخرها في عام 2016، كما شهدت مئات الاستجوابات للوزراء واستقالات لعدة حكومات.

وتميزت الكويت بنظام ديقراطي نسبي ومختلف عن باقي دول الخليج العربي، إذ تتمتع ببرلمان منتخب ذو صلاحيات كبيرة في محاسبة الحكومة، لكن الدولة على مر تاريخها عانت من احتدام الصراع بين السلطتين التشريعية والتنفيذية. وفي المجلس الحالي المنتخب حديثاً، استمر نواب معارضون باتخاذ مواقف احتجاجية منذ الجلسة الأولى لمجلس الأمة في دورته الحالية، وخلال أول 4 شهور من المجلس استقالت الحكومة وتوقفت أعمال المجلس لمدة شهر ثم أعيد تشكيل الحكومة مرة أخرى، ففي 18 فبراير 2020، علق الأمير مجلس النواب لمدة شهر بموجب المادة 106 من الدستور، والتي لم تستخدم إلا مرة واحدة، خلال اضطرابات عام 2012. وفي 2 مارس 2020، أعلن الأمير تشكيل حكومة جديدة تم فيها استبدال أربعة وزراء لتخفيف حدة التوتر مع المجلس، ثم استقالت الحكومة قبل 3 أشهر بعد قرار العفو الأميري ليتم إعادة تكليف الشيخ ناصر الصباح بالحكومة للمرة الرابعة، وضم التشكيل 3 نواب ثلاثة منهم من المعارضة.

زوايا أخرى للأزمة

أفاد محللين ومطلعين في وسائل إعلام محلية وأجنبية، بأن الأزمة أعمق مما تبدو عليها، مشيرين إلى أن هذا التصعيد من جانب نواب مجلس الأمة هو جزء من صراع داخل تيارات الأسرة الحاكمة، وأن الاستجوابات والضغوط على الوزراء هي جزء من خلافات بين أعضاء الأسرة في الأساس، مشيرين إلى أن تسمية الشيخ "جابر العلي" لمنصب وزير الدفاع كان أحد أوجه هذه الخلافات، حسب توقعهاتهم. ويضيف المراقبون أن الموقف المتشدد من أهم وزراء السيادة في الكويت يضع نائب الأمير وولي العهد الشيخ "مشعل الأحمد" أمام فرصة للحسم داخل الأسرة لوضع حد لهذه الصراعات، ومع مجلس الأمة الذي يعتقد البعض أنه يمثل عقبة في تسيير أعمال الحكومة وخطتها.

فيما أشار الدكتور "بدر السيف" أستاذ التاريخ في جامعة الكويت والباحث في مركز كارنيغي، أن الحكومة الجديدة واحدة من أقل الحكومات تمثيلاً للأسرة الحاكمة بثلاثة وزراء (الدفاع والداخلية والخارجية)، وربما يعكس هذا الأمر تباين وجهات النظر داخل العائلة، بالإضافة إلى أن الحكومة تفتقد التوازن في التمثيل بين فروع الأسرة. مضيفا إلى أنه يجب عدم غض النظر أيضاً عن وجود ولاءات شخصية وروابط اجتماعية ما تزال مهيمنة، على الرغم من مرور ما يقارب ستين عامًا من الحكم الدستوري.

في السياق ذاته، اعتبر المحلل السياسي "عبدالعزيز السلطان" في تصريحات له عبر موقع "سبوتنيك"، أن تقديم وزيري الدفاع والداخلية في الكويت استقالتهما يعد "خطأً كبيرًا" وأضر بسمعة الكويت، ولا يجوز أن يكون ذلك منفردًا وبمعزل عن مجلس الوزراء، وهي واقعة فريدة من نوعها بالبلاد. وأضاف أنه "خلال الجلسات السرية التي عقدت، تحدث بعض النواب عن حرب داخل مجلس الوزراء، ووقوف بعضهم وراء استجواب البعض الآخر، في خلاف ظاهر بين أبناء الأسرة الحاكمة، للدفع نحو حل مجلس الوزراء"، وتابع قائلاً أن "استقالة الوزيرين قد تدفع بحرب سياسية قوية بين رئيس الوزراء ورئيس مجلس الأمة، وهي مقصودة من أجل إقالة الحكومة وحل مجلس الأمة، وهذا الخلاف متوارث في الكويت بين السياسيين والمتنفذين من الأسرة الحاكمة"، حسب تصريحاته.

ومن جانبه قال المحلل السياسي "يوسف الملا"، أن قبول استقالة الوزيرين تدل على أن الخلافات عميقة وأن الوضع يتجه نحو حلس مجلس الأمة، مضيفًا أن "الأسرة الحاكمة لا تستطيع أن تخسر أقطابًا سياسة وازنة في الدولة ولها مستقبل سياسي بسبب ممارسات بعض الأعضاء في استجوابات لا تغني ولا تفضي في النهاية لأية نتائج يكمن أن يلمسها المواطن باتجاه عملية الإصلاح ومحاربة الفساد".

مستقبل الديمقراطية: سيناريوهات حل الأزمة

يتساءل الجميع عن مصير الوضع السياسي في البلاد وما هي الإجراءات المناسبة لتهدئة الأوضاع وحشد كل السلطات وراء الخطط الإصلاحية الطموحة خاصة ما يتعلق منها بالوضع الاقتصادي ومكافحة الفساد. يتوقع البعض استقالة جديدة للحكومة تعيد الكويت إلى مربع الفراغ الحكومي، والذي ستكون له تأثيرات كبيرة على عمل مؤسسات الدولة وتمويلها ومراقبتها، وكذلك إشاعة حالة من اليأس لدى الكويتيين بشأن تطويق الأزمة والحفاظ على استقرار البلاد. بينما يتوقع آخرون حلّا لمجلس الأمة والدعوة لانتخابات جديدة، ما يترتب عليه فراغ تشريعي مؤقت وإرهاق لمؤسسات الدولة واقتصادها في ترتيب العملية الانتخابية. السيناريوهات التالية تلخص الخيارات الممكنة ومدى واقعيتها وملائمتها للوضع الراهن..

أولا: حل المجلس وإعادة الانتخابات:

تنص المادة 107 من الدستور على أن 'للأمير أن يحل مجلس الأمة بمرسوم تبين فيه أسباب الحل على أنه لا يجوز حل المجلس لذات الأسباب مرة أخرى، وإذا حل المجلس وجب اجراء الانتخابات للمجلس الجديد في ميعاد لا يتجاوز شهرين من تاريخ الحل، فإن لم تجر الانتخابات خلال تلك المدة يستردّ المجلس المنحلّ كامل سلطته الدستورية ويجتمع فوراً كأن الحل لم يكن، ويستمر في أعماله إلى أن ينتخب المجلس الجديد'.

وفقا للمادة 102 من الدستور فإن: "لا يتولى رئيس مجلس الوزراء أي وزارة، ولا يطرح في مجلس الأمة موضوع الثقة به، ومع ذلك إذا رأى مجلس الأمة بالطريقة المنصوص عليها في المادة السابقة عدم إمكانية التعاون مع رئيس مجلس الوزراء، رفع الأمر إلى رئيس الدولة وللأمير في هذه الحالة أن يعفى رئيس مجلس الوزراء ويعين وزارة جديدة، أو أن يحل مجلس الأمة، وفي حالة الحل، إذا قرر المجلس الجديد بذات الأغلبية عدم التعاون مع رئيس مجلس الوزراء المذكور إعتبر معتزلاً لمنصبه من تاريخ قرار المجلس في هذا الشأن، وتشكل وزارة جديدة ".

وشهدت البلاد 10 حالات لحل المجلس منذ عام 1976 حتى 2016، بعضها كان حلّا دستوريا تم إعادة الانتخابات فيه وبعضها كان تجميدا للمجلس. وجاء الحل "الدستوري" للمجلس في أعوام 1999 و 2006 و2008، و2009 و 2011 و2012 و2016، وأجريت الانتخابات بعدها كما نص الدستور.

 

وبناءً عليه، يمكن تلخيص أسباب الحل "الدستوري" للمجالس السابقة التي استندت إليها السلطة الأميرية كالتالي:

1. التعسف في استعمال الأدوات الدستورية "الاستجوابات" من قبل أعضاء المجلس.

2. تدخل المجلس المتكرر في عمل الحكومة مما أدى إلى استقالتها.

3. عدم تقيد البعض بأحكام الدستور والقانون وما قررته المحكمة الدستورية بخصوص استخدام الأدوات البرلمانية للرقابة على أعمال السلطة التنفيذية.

4. توجيه اتهامات بالفساد لعدد من أعضاء مجلس الأمة.

5. فشل المجلس في الانعقاد بسبب عدم اكتمال النصاب القانوني المقرر لصحة جلساته.

وتعتبر الحالة الحالية مشابهة لبعض هذه الأسباب، وسيعتبر حل المجلس الحالي -حلاً دستوريا - للمرة الثامنة في تاريخ العمل البرلماني، بعد أقل من 15 شهرا من عمره، والذي شهد تعطيلا لجلساته لمدة شهر وإسقاط عضوية أحد نوابه، وتشكيل حكومتين في عهده. كما ستكون هذه هي أول أزمة سياسية يواجهها أمير الكويت الجديد، الشيخ "نواف الأحمد الصباح"، الذي تولى زمام الحكم في سبتمبر 2020، بعد وفاة الأمير الراحل الشيخ "صباح الأحمد".

ويبدو أن هذا السيناريو يحتاج إلى دراسة متأنية لتبعاته، خاصة مع عدم القدرة على التنبؤ بنتائج الانتخابات القادمة، ومدى الثقة بأن المجلس الجديد سوف يكون أكثر توافقا مع الحكومة، خاصة مع رغبة المعارضة بكافة توجهاتها في المزيد من الإنخراط في الحياة السياسية وفرض رؤيتها للإصلاح عبر مجلس الأمة.

ثانياً: حل أو استقالة الحكومة:

وفقا للمادة 129 من الدستور فإن "استقالة رئيس مجلس الوزراء أو إعفائه من منصبه تتضمن استقالة سائر الوزراء أو إعفائهم من مناصبهم"، وفي حال استقالت الحكومة الكويتية الحالية فستكون المرة الثالثة التي تستقيل فيها حكومة برئاسة الشيخ الصباح بسبب استمرار الخلافات داخل مجلس الأمة وهي الحكومة رقم 39 في تاريخ الكويت. لكن يبدو أن هذا الخيار مليئ بالتحديات، فرهان توزير النواب لم ينجح خلال الأسابيع الماضية في تهدئة الأجواء وحشد الدعم والتأييد للحكومة. وكان البعض قد أبدى تخوّفه من عملية توزير النواب حتى لا تتحول الانتخابات البرلمانية بعد ذلك إلى باب للمنافع السياسية والتربيطات واختلاط الدور التشريعي والمحاسبي مع الدور التنفيذي، وهو الأمر الذي يتعارض مع فلسفة الدستور في الفصل بينهما.

وأثارت مشاركة ثلاثة نواب من المعارضة في الحكومة الجديدة جدلا كبيراً، خاصة وأن النواب الثلاثة كانوا من بين الأعلى صوتاً في انتقاد الحكومة ورئيس الوزراء، وبدا من هذا التشكيل ميل رئيس الوزراء إلى عمل توازن داخل الحكومة على أمل أن يجعل التعاون بين السلطتين التشريعية والتنفيذية أكثر يسراً، وأن تقلّ حدة الانتقادات للحكومة والاستجوابات أو على الأقل تفكيك جبهة المعارضة، وهو الأمر الذي انتقده خبراء سياسيين حيث رأوا أن الحكومة يجب أن تقوم على الكفاءة والتخصص وليس على المحاصصة والموازنات السياسية، متوقعين أن لا تصمد طويلاً بسبب وجود تناقضات داخلية في تشكيلها وبسبب وجود كتلة من المعارضة لا تزال مصرّة على رحيل رئيس الحكومة ورئيس البرلمان، في إشارة إلى شعار "رحيل الرئيسين" الذي رفعه عدد من النواب الفترة الماضية. مشيرين في الوقت ذاته إلى أن النائبان "مبارك المطيري" وزير الشئون والإسكان، و"محمد الراجحي" وزير مجلس الأمة، كانا قد قاطعا جلسة تأدية الحكومة الثالثة لليمين الدستوري في مارس 2021، في محاولة لكشف تناقضات النواب قبل وبعد توليهم الوزرارات!

ثالثاً: تجميد العمل البرلماني أو الحل غير الدستوري:

يتخوف البعض من تعطيل الحياة البرلمانية، وهو أحد السيناريوهات المطروحة في ظل تأزم الوضع السياسي في البلاد، وشهدت الكويت هذا الإجراء مرتين عامي 1976 و1986. في المرة الأولى أصدر الأمير الراحل "صباح السالم"، قرارا بحل المجلس وتجميد الحياة البرلمانية لمدة 4 سنوات. وفي الثانية قام الأمير الراحل "جابر الأحمد" بحل مجلس الأمة وتعطيل بعض مواد الدستور حتى انتهاء الغزو العراقي عام 1990.

ووففا لهذا السيناريو؛ فإن السلطة التشريعية ستنتقل إلى السلطة التنفيذية بشقيها، الديوان الأميري والحكومة، وفقا للمادة 65 من الدستور الذي يحدد صلاحيات السلطات في حال غياب مجلس الأمة، كما تنص المادة 71 على أنه " إذا حدث فيما بين أدوار انعقاد مجلس الأمة أو في فترة حله، ما يوجب الإسراع في اتخاذ تدابير لا تحتمل التأخير، جاز للأمير أن يصدر في شأنها مراسيم تكون لها قوة القانون، على أن لا تكون مخالفة للدستور أو للتقديرات المالية الواردة في قانون الميزانية".

وحسب رأي الباحثة " ليا شيرود" في تحليلها السياسي " الهوية الوطنية وأمن النظام في الكويت" بمنتدى كامبريدج للشرق الأوسط، فإن هذا الخيار هو الأقرب لمصلحة استقرار الحكم الأميري الذي بدأ قبل عام ونصف وسط أزمات سياسية واقتصادية كبيرة قد تؤدي إلى تآكل شعبيته، لذلك قد تدفع هذه الحالة النظام إلى حماية نفسه والتحول إلى نموذج أكثر سيطرة وتحكمّا، وتوقعت الباحثة أن يحظى هذا الخيار بدعم شركاء الكويت في مجلس التعاون الخليجي الذين من المحتمل أن يروا فيه خطوة ضرورية للحفاظ على أمن الكويت الوطني واستقرارها.

وفي مقالته على منتدى الخليج الدولي بعنوان "الكويت ليست ديمقراطية أوروبية"، أشار الدبلوماسي "عبد الله بشارة" -الأمين العام السابق لمجلس التعاون الخليجي - إلى أن أزمة اليوم تنبع من عدم فهم المعارضة لخصوصية الديمقراطية الكويتية، لأنها تمارس العمل السياسي مسلحة بمبادئ الديمقراطية الأوروبية المتكاملة، وهذا يعني أن المعارضة تستخدم أيديولوجية مستوحاة من الخارج لكنها غريبة على الكويت ولا تراعي ظروفها، وهو ما سيؤدي إلى عواقب وخيمة للغاية على الدولة. وتوقع بشارة أن ينحاز الشعب الكويتي إلى السلطة وليس المعارضة، قائلاً: "من المهم للمعارضة أن تدرك مدى الانفصال بين الرأي العام عن هذه الانتخابات ونتائجها، إن أولويات الشعب الكويتي ليست من يفوز في الانتخابات، بل استقرار البلاد لأن الكويت محاطة بنيران الفوضى، وعليها أن تتصدى لأخطار التدخل الإيراني في اليمن، والحرب الأهلية في سوريا، وانهيار لبنان من الفساد الداخلي". حسب تعبيره.

على الجانب الآخر، فإن حدوث هذا السيناريو سيعني انتكاسة ديمقراطية للنموذج الكويتي الذي حافظ على تفرده في منطقة الخليج، ويعني انتهاء التجربة البرلمانية الكويتية وربما فقدان الثقة الشعبية في الممارسة الديمقراطية برمتها.

رابعا: التوافق عبر الحوار الوطني الشامل:

في نوفمبر الماضي، تبنّى أمير الكويت خيار المصالحة الوطنية والحوار الشامل للتوفيق بين السلطات. ليعلن عن نهج جديد قد يدفع البلاد لمزيد من الإصلاح السياسي، والتفرغ للملفات الحرجة التي تهدد مستقبل البلاد خاصة الجانب الاقتصادي وتحديات ما بعد جائحة كورونا.

النهج الذي اتخذه الأمير نواف الأحمد لم يكن مفاجئاً، وظهرت بوادر توجهاته منذ توليه السلطة خلفا للشيخ الراحل صباح الأحمد. وفي مايو الماضي شدد في كلمة متلفزة على أهمية "التمسك بالنهج الديمقراطي الذي ارتضيناه، مبتعدين عن أجواء الاحتقان والتوتر وعن كل ما يدعو للتفرقة التي تؤدي إلى بطء عجلة التنمية في البلاد، مضيفاً أن "التعاون بين سلطات ومؤسسات الدولة هو الأساس لأي عمل وطني ناجح والأسلوب الأمثل نحو الإنجاز، تحقيقا للتطلعات التنموية التي ينشدها أبناء شعبنا الأوفياء". ورأي كثير من المراقبين أن أمير الكويت بهذا التوجّه الجديد قد نزع فتيل عدة أزمات استراتيجية كانت ستظهر في المستقبل القريب، حيث استمرار طريق المصالحة الوطنية تعني منح الكويت قوة إضافية في مواجهة التحديات المزمنة. وحسب دراسة لمركز "بروكينجز"، فإن البيئة السياسية التعددية في الكويت التي يحميها دستور عام 1962 والذي يمنح البرلمان سلطة استجواب الوزراء واقتراح التشريعات أو عرقلتها؛ وضعت الكويت في موقف مختلف عن دول الخليج العربي في طريقة تعاملها مع قضاياها الداخلية والخارجية.

يعتمد هذا السيناريو على إظهار أمير الكويت سلطته الأبوية ليجمع الفرقاء على طاولة واحدة ودفعهم إلى تقديم مصلحة البلاد فوق أي اعتبار لحين العبور من المأزق السياسي والتحدي الاقتصادي المرتبط باستقرار السيولة المالية وكذلك  التحدي الاجتماعي المتعلق بالتركيبة السكانية وآثار جائحة كورونا.

يمكن للحوار الوطني الشامل الذي يطرح كل القضايا العالقة بين السلطتين بشفافية أن يكون مخرجاً مؤقتا، لكنه في النهاية ليس له ضمانات ملموسة سوى التزام كافة الأطراف وإعلاء المصلحة العليا، أو محاولة تحصين نتائجه بشكل دستوري.

وهو الأمر الذي لا يتوقع أن يتم بسهولة، حيث يرى البعض أن معضلة صراع السلطات بالكويت لن تحلّ ببساطة بأي ضمانات دستورية حالية، بالنظر إلى أن البرلمان يتمتع بسلطة كافية لعرقلة تصرفات السلطة التنفيذية التي يعارضها، لكنه في كثير من الأحيان لا يمتلك السلطة السياسية لوضع أجندته الخاصة بشكل مستقل عن السلطة التنفيذية. وتتفاقم هذه المعضلة بسبب حقيقة أن ثلث أعضاء مجلس الوزراء معينين بالمجلس كنواب. وعلى الرغم من أنهم لا يستطيعون التصويت بحجب الثقة عن زملائهم الوزراء، إلا أن موقعهم في البرلمان ما زال يسمح لهم تاريخياً بتقويض أجندة المعارضة. ومنذ عام 2012، أصبح القضاء نشطًا بشكل متزايد في الفصل في القضايا المشحونة سياسيًا، مما زاد من تعقيد الساحة السياسية وترك للمعارضة آلية فعالة واحدة فقط لدفع أجندتها؛ هي الاستجوابات. أدى الاستخدام المتكرر لهذا الإجراء إلى تصعيد التوترات بين المعارضة والسلطة التنفيذية. وبناءً عليه يجب أن يوضع على طاولة أي حوار وطني قضية إدخال تعديلات دستورية لفض الاشتباكات التي تؤدي إلى نزاع السلطات.

في السياق نفسه، أشار إليه الدكتور محمد الرميحي، أستاذ علم الاجتماع بجامعة الكويت، في مقاله على منتدى الخليج الدولي، إلى أنه طالما معايير الديمقراطية داخل الكويت لم تتغير حتى الآن، وبدون تغييرات في "قواعد اللعبة"، سيستمر أعضاء الحكومة والبرلمان في استخدام نفس الأساليب، وسيكررون في النهاية نفس الأخطاء التي أدت إلى الأزمة الأخيرة، ولذلك تحتاج الكويت للحفاظ على الديمقراطية إلى تغييرات على عدة مستويات، وهو ما يتطلب قرارات تاريخية، على حد قوله



المرفقات




المصادر